طلّة “بهاء” ليست “بهية”

لا توجد تعليقات

لبنان عربي –  مصطفى العويك

الكتابة عن بهاء الحريري وبياناته المستحدثة مربك ومستفِز في الوقت عينه. مربك لخلفياته وتوقيته وتقاطعاته الداخلية والخارجية، ومستفِز لأن الرجل استذكر ارث والده ومشاكل لبنان وفساد حكامه، بعد خمسة عشر عاما من اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، واختار لاستذكاره هذا صيغة البيانات المسطرة عن بعد، التي يتهم فيها السلطة بالفساد ويقدم نفسه واحدا من ثوار 17 تشرين.

لا شك أن بهاء يطمح في لعب دور سياسي معين في لبنان، وهذا الطموح يراه البعض مشروعا وضروريا ولازما عليه لتصحيح اخطاء شقيقه سعد، واعادة ارث رفيق الحريري الى مشهدية 14آذار، فيما يراه البعض الاخر تعديا فادحا على ادبيات العمل السياسي، وان على بهاء واجب دعم شقيقه لا اسقاطه، وان يكون مستشاره الامين حتى لا “يغطس” أو يأكله “السبع” فيخرج من معادلة الشعبية بلا فطيرة ولا “هانة”، ولا “يُحمد” على فضل وطني يحققه للناس بل يتهم بانهاك الطائفة وتعريتها واحباطها.

الفريق الاول ينطلق من أحقية كل فرد ان يحقق ذاته بغض النظر عن الاليات والكيفية، وأن الاخ لا يماري أخاه فلا ينازعه ولا يناظره “اما يكذبه او يغضبه” على قول قاضي الكوفة الفقيه عبد الرحمن بن ابي ليلى، والثاني ينطلق من مبدأ “اذا عزّ اخوك فهُن”، الا ان بهاء يسلك مسلكا جديدا بين هذا وذاك، مسلك قوامه تعففه عن الحلول مكان شقيقه في الوراثة السياسية، التي يجادل في أحقيتها ومشروعيتها الكثير، ونفي طموحه بتسيد الرئاسة الثالثة، من ثم يعبّر عن حركته المستجدة ببيانات تؤكد أنه يحضر لمشروع سياسي كبير سيكون خلال أشهر بين أيدي اللبنانيين يعمل عليه اختصاصييون من كافة القطاعات، مشروع يليق بلبنان الذي تركه بهاء لعقد ونصف العقد وعاد ليقول للناس: “يا أيها القوم…إنني عدت وسعدكم بعودتي وبهاؤكم بتسيدي”.

على أن هذه العودة بدت للوهلة الأولى وخارج الردود النمطية والكلاسيكية حولها، بدت وكأنها استحضار لرفيق الحريري من جديد، عملت مكنة اعلامية معينة على التسويق لذلك بطريقة غير مهنية وغير احترافية، سبقتها اموال بهاء الى ذلك، فوجدت نفسها تسوق له بصورة والده، الذي كان عرابا للطائف، والرئيس الظاهرة الذي ثبت سعر صرف الليرة مقابل الدولار، وبنى لبنان الحديث، لكن فات هؤلاء ان الرجال لا تتكرر، وان وقائع وحيثيات المرحلة الماضية تختلف اختلافا كليا عن الاوضاع التي نعيشها اليوم، وأن غيمة بهاء العابرة لا تشبه عنكبوتية والده منذ مطلع الثمانينات وصولا لترؤسه الحكومة، وان التأسي بأفعال الكبار يكون بتقليدهم لا بافتعال المشاكل على ضريحهم.

كانت فكرة تجميع الشباب في ذكرى 14 شباط على ضريح الرئيس الحريري فكرة قاتلة، اقترحها اخرق في السياسة ووافقها ومولها مبتدأ في ألف ياء السياسة، يسابقه غروره ليكون حديث الناس، فأساء لوالده اي إساءة، سواء كانت المجموعات التي أرسلها هي التي افتعلت المشاكل حينها ام جرى الاعتداء عليها، فبداية مشوار العمل السياسي والنضالي لقضية ارث الرئيس رفيق الحريري، ان كان هذا ما يريده الشيخ بهاء، لا يعبر عنها بالاستعداء واللكمات، انما بضمادات حقيقية وأصلية تخفف وطأة الجرح الذي تركه رفيق وزاده سعد رتقا بتسويته الرئاسية.

كما ان صيغة البيانات لا ترقى الى شخصية من نسل رفيق الحريري، فهي بيانات تكتب على عجل لاستهداف رخيص هنا واستثمار أرخص هناك، يراد منها القول للناس ان سعد ومن معه فاسدون، وان المنتديات من صلب ثورة 17 تشرين وهي حاضرة للمشاركة في صياغة لبنان جديد. من يجب ان يقول هذا الكلام يفترض به بالحد الأدنى ان يكون قد اعتقل او ضرب بهراوة على رأسه فسال دمه، أو سمع شتيمة عائلته في أذنه، او بنى خيمة في قلب الثورة لا على رصيفها، وأين بهاء من كل هذا؟ عبواة المياه الصغيرة ولفات الشاورما، تروي عطشا آنيا وتسد جوعا ظرفيا، لكنها لا تغني عن صيحات الحق، فالميدان ديدن اهل التغيير ومن يستنجد بالثورة ليس كمن تستنجد هي به.

ماذا يقول بهاء لوالده يوم يلتقيان؟

أما التوقيت والهدف الاقليمي والعربي والاميركي من هذه العودة، فحمال أوجه، وجوابه عند اصحابه فقط. على ان كثيرا من المتابعين ذهب الى القول ان السعودية الجديدة تفضل بهاء على سعد، ومنهم من قال انها تشوش على سعد بطبل بهاء لتجعل الاول اكثر عدائية في مواقفه اللبنانية تجاه حزب الله، ومنهم من ذهب للادعاء ان بهاء ينسق مع الامارات وكان رسولها الى سوريا والتقى بشار الاسد الذي انفتحت عليه الامارات مؤخرا، وناقشه في السياسة واعادة الاعمار، واختلط على البعض وجود المحامي نبيل الحلبي في قاموس الشيخ بهاء، فقالوا ان تركيا ترمي بإحدى أوراقها في لبنان لمزيد من النفوذ، وربط بعضهم الاخر بين علاقة بهاء ونائب الرئيس الاميركي السابق جون بايدن، متنبئا بدور كبير لبهاء في حال فاز بايدن بالرئاسة على ترامب…

ولذلك كله فان طلة بهاء ليست “بهية”، وهي سترتد عليه، ولو بعد حين، فمن يستميلهم الان هم أبناء عشيرة “رأيت الناس قد مالوا الى من عنده مال”، والنفس تضجر والمال ينفذ والسلطة تزول اما الارث فيبقى مدار بحث وجدل وتقييم…فماذا يقول بهاء لمن أورثه المال والجاه والمكانة يوم يلتقيان؟

المنفضون عن الرئيس سعد الحريري والحاقدون عليه والرافضون لممارساته وتنازلاته وتسوياته و”مغامراته”، جزء كبير منهم وجدوا في بهاء ضالتهم، دوافعهم متعددة، منهم بحثا عن اموال جديدة، وكثير منهم لاعادة الاعتبار للحريرية السياسية وتفعيل دورها الوطني ومحاولة لاستنهاض اهل السنة والتخفيف من احباطهم، ولهؤلاء وجهات نظر جديرة بالمناقشة والتحليل… لكن هل بهاء فعلا هو البديل؟ وماذا عن سعد الذي عمّد مشروعيته السياسية بالدم؟

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s