“الواعظ” لضحى المل: التجارب تصنع فلاسفتها

لا توجد تعليقات

لبنان عربي – ثقافة

تتقن ضحى المل في روايتها الجديدة “الواعظ” الصادرة عن دار الفارابي، السرد والتشويق، تقرأ كأنك تتابع فيلم  ACTION، الحيوية فيه بنت مآلات مصائر الاشخاص وتبدلها وتحولها في طريق الصيرورة الاخيرة. فيلم أغوت تفاحة بطله وهو ابن السبع سنوات، فرمى بسببها شقيقه في البئر وفرّ هاربا من عقوبة والده الى ضيعة “خربة داوود” العكارية شمال لبنان، حيث تبدأ الاحداث من بيت “فريدة” التي وجدته فجأة بين يديها في “شيخ التبان” بين البقرات التي تتولى رعايتها، فكان لها ابنا لم تلده، وكانت له اما لم تحمله، وهناك في الخربة بدأ مسيرته ما بين خراب وبناء، بين تهريب غير مشروع وبين باحث عن لذة لم يمارسها، بين مشرد وشارد ومن ثم مفكر وواعظ وصاحب حكمة أكسبته اياها التجارب الحياتية وقراءة الكتب.

ليس “واعظ” المل هنا الا ذاك الريفي الذي ترك السهول المنبسطة بغير ارادته ليذوب في ابنية المدن وما خلف بيوتها وجدرانها، ويتعارك مع الحياة،  ربما لو عاد الخيار اليه لفضّل ان يكون فلاحا حقيبته زرعه المغروس في الارض، بدلا من تحوله الى حدث وحادثة عند كل زاوية شارع وفي كل تبدل يطرأ على ادوار الشخصيات التي يتعرف اليها.

 الشخصيات التي كان شمال لبنان مسرحها، أتقنت المل في منحها ادوارا مختلفة منها الخفي ومنها الظاهر، كمدرب الكاراتاي الالماني الذي استدعي الى لبنان عن طريق التاجر الكبير ايلي (شريك الواعظ في التجارة غير المشروعة)  ليتولى تدريب الفدائيين واذ به عميلا في الموساد يسعى لاغتيال القائد الفدائي “السبع”، وهو ما اكتشفه الواعظ صدفة فكان السبب في اطلاق النار على القارب الذي فر به وعائلته المدينية الى قبرص تحت عنوان التجارة.

  شخصيات الواعظ تظهر عليك في سرديات الرواية لتفاجئك بدورها وصيرورتها فتؤثرك بما فيها، ولكل منها خلفيتها الثقافية والاجتماعية والسياسية.

لكن ما يجمع بين كل هذه الشخصيات وبين عبدو نفسه اي الواعظ محرك واحد هو “اللذة”. تبدو اللذة هنا وكأنها الدافع حتى للحياة، عند المرأة والرجل. اللذة ماس كهربائي يصيب الواحد منا منذ الولادة ولا يخرج منه ابدا، يبقى رفيقه وخليله اينما ذهب، ليبقى البحث عن السعادة من خلاله لذة اخرى لا تضاهيها الا اللذة الجنسية.

والقدر في حبكة الرواية هو الاساس، يقتل عبدو شقيقه عن غير قصد لاجل تفاحة كانها تفاحة آدم التي اغوته، فيوقع الاخ في البئر، ويهرب الى خربة داوود وهو ابن السبع سنوات، ليعيش بين يدي فريدة ويتعرف على عوالم جديدة.

ثم بعد ان يتم الخامسة عشر من عمره يبدأ بالانخراط في لعبة التهريب ويتاجر عن طريق معلمه الاصلع عشيق فريدة بالممنوعات (سلاح للفدائيين)، وهو في مرفأ طرابلس يتعرف على شقيقه ابو الزيك الذي لم يمت دون ان يدرك كلاهما انه شقيق الاخر الى ان يموت ابو الزيك في التفجير الاسرائيلي للمركب، ويقول لعبدو الواعظ قبل ان تخرج روحه: “انت اخي الذي لم يتركني ابدا لا اخي الذي رماني بالبئر، يومها والدي انقذني واختفى اخي”، ليذهل عبدو من هذا الكلام، وليجد جوابا على السؤال الذي رافقه منذ اليوم الاول لملاعبته طفلة ابو الزيك البالغة من العمر عامين، يومها سأل نفسه لماذا يحب هذا الفتاة كثيرا وتحبه؟ ما السر وراء ذلك دون ان يجد جوابا.

وحدهما كانا من الناجين يوم التفجير هو والطفلة لكن كل منهما في ارض لا يعرف فيها الآخر، عبدو وجد نفسه في المانيا بعد ان تعرفوا من قصاصة ورق في جيبه على زوجته الالمانية التي تزوجها بهدف تبييض اموال تجارته غير المشروعة، ومارلا التي حملت هذا الاسم الجديد وبقيت في لبنان، تعود وتلتقي مع عمها بعد حوالي الثلاثين عاما عبر الهاتف بعد ان زارت متحف زوجته في بيروت لترى لوحاتها وبنت مع الالمانية علاقة وطيدة جعلت زوجته تطلب منه مساعدتها في اطروحة الدكتوراه عبر الهاتف وهو المقيم في منزله الالماني الذي جعلته شريكة حياته دارا للمسنين، ويدور حوار طويل بينه وبين ابنة شقيقه في الرواية تجاوز السبعين صفحة عن الحب واللذة والارادة وتجاربه الحياتية ورؤاه الفلسفية وهو حوار أثقل الرواية جدا وأخرجها من لباسها السردي الشيق الذي كان سائدا قبله، لينتهي بأن يذكر لها اسم أمه زكية الدرويش فتقول له انه اسم جدتها ليكتشف بعد حوار هاتفي امتد لثلاث سنوات ويزيد انها مارلا ابنه شقيقه ابو الزيك…يا للقدر.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s