صحبةُ الكلابِ…؟!

لا توجد تعليقات

لبنان عربي – مروان الخطيب

نظرَ في وجهها المُعذَّب، ومشى مغموراً بالتساؤلات…؛ كانت عقاربُ الساعةِ تُشير الى الثامنة والنّصف ليلاً من اليوم العاشر من شهر كانون الأول لعام 2010م..!. تذكَّر أنه قد صادفَ هذه السيدة في المكان ذاته، وفي أوقات تُقارب هذا الوقت أكثر من مرّة خلال الشهور الخمسة المُنصرمة، وهو يمارس رياضة المشي السريع كعادته كل يوم…؛ ثم خلَدَ الى استراحته الليلية في مقهى «علاء» مقابل المستشفى الاسلامي – الجناح الخاص.

 ولأن الليل نديمُ الحزانى وعشيرُ المُكْتَوينَ بالآلام، فرشَ صاحبُنا في عباءة هذا الأسود ما في جَعْبة الصَّدر من آهاتٍ، وأنفاسٍ حَرّى تائقةٍ الى البرد والأمان والسلام؛ ثم تذكّر ثانية تلك السيدة ذات الشَّعرِ الفاحم النّاعس والعينين البارقتين بالعَبَرات، ولم ينسَ كلبَها المصاحبَ لها دوماً، وتساءلَ في نفسه:

أيُّ غُبْنٍ لَحِقَ بهذه المخلوقةِ، حتى تخرُجَ مُتَمشِّيةً وكلبها في عتمات الليلِ مع الصّمت والشُّرود ولسَعَات البرد؟!.

تُراها مغدورةً؛ أو محرومةً من حنانِ ذويها، فتبحث عن هذا الفقيد الغالي والعزيز في صحبةِ هذا الكلبِ الأليف؟!. أو هي، قد تعرَّضتْ لخيانةٍ جارحةٍ من نَفْسٍ آدميّة، فحُطِّمَتْ فيها رِغابُ الاشتهاء، وأُحْرِقَتْ لديها تراتيلُ الأشواق، وانزوتْ بعيداً عنها أحلامُ الصُّعودِ الى القمر والنُّجوم..؟!؛

أو أنها ضحيّةُ جنون المدينة الهابط تيهاً وضَياعاً في انغماساتِ التعلّق الأجوف والأحمق بفتنة الدولار والمال، ولو كان ذلك على حساب الأُلفةِ والإيناس والتَّحنان، والحضور الإنسانيِّ المُندَّى بالرحمة والمودّة والحنان…؟!.

أو أن الأمرَ، لا هذا ولا ذاكَ، بل هو مَحْضُ تعلُّق خُرافيٍّ بحضارة الغربِ وطريقةِ عيشهم التي استبدلتِ الكلاب والقططِ، بالإنسان وعشرتهِ وبالتواصل الرفيع معهُ في دروبِ السّعي والحياة؟!.

 وقالَ في نفسهِ محاولاً الإجابة عن تساؤلاتها حيالَ هذه السيدة التي تبدو له أنها شرقيّةٌ في طبعها وخِصالِها وودادها المُجَنِّحِ نحو مخلوقٍ غيرِ الانسان، نابضٍ بالوفاء والأمان:

أُرجِّحُ أنّ السِّرَ المُعَشِّشَ في كامنةِ هذه المرأة، يَرْجعُ الى انكسارٍ عاطفيٍّ تصدَّع من هولهِ الوجدان؛ وبعيداً عن التحرّي الدقيق لتفاصيل حالةٍ كهذه، فإنَّ ما هو ثابتٌ في المعارفِ النفسيّةِ والفكريّةِ عند أهل الدراية والاختصاص، يقولُ بأن المرءَ كائنٌ قائمٌ على طاقةٍ حيويّةٍ فيها جانبان: الأولُ عضويٌّ تنتفي وتنعدمُ الحياةُ من دونهِ، كالحاجةِ الى الأكلِ والشرب وقضاء الحاجة والنوم، والثاني فِطْريٌّ جِبِلّيٌّ يقوم على إشباع غرائز: البقاء، النّوع، والتديُّن، والتي إنْ لم يتحقق أمرُ إشباعها على الوجهِ الصحيح الموافق لحقيقةِ الكون والانسان والحياة، فإنّ مَباعِثَ القلق والتوتّر وعدم الطُّمأنينة، ستكونُ قائمةً في حياةِ المرء، باعثةً فيها المرارةَ واللّوعةَ واللاأمانَ، بعيداً عن الوصول الحتميِّ الى الحتفِ والموت.

 وعليه، فإنَّ الانسانَ، وبحُكمِ الجانب الغرائزيِّ في تكوينهِ، هو كائنٌ اجتماعي لا يُمكنُ له العيشُ الآمنُ والنّابضُ والفاعلُ، بمعزلٍ عن الآخرين، وإنَّ غريزَتي البقاء والنّوع في أصلِ نشأته، تجعلان تشارُكيّتهُ الاجتماعية مع الآخرين لازمةً من أجل الدّيمومةِ والاستمرار المُثْمرِين، وهذا يتطلَّبُ استشعار الإنسان الأمانَ المُتأتّي من تَمَثُّلِ وتحقُّقِ جملة القيم الرّفيعة في مجرى حياته، كالصّدق والوفاء، والإخلاص وانعدام الغدْرِ والخيانةِ وغياب التّلوي الزّئبقيِّ والتلوّن الحرباويّ؛ آخذينَ بعينِ الاعتبار أن ضياعَ هذي الرّفيعاتِ من حياة الآدميِّ ستحيلُهُ – ذكراً كان أم أُنثى- الى مسالكَ أخرى قد تودي به الى الهلاكِ والدمار، أو تجعلهُ يبحثُ عن موازنةٍ تعويضيّةٍ في الجماد أو الحيوانِ، كما هي الحالُ في صحبةِ الكلاب، او القطط، او الطيور المُغرّدة وغيرها..!؛ تماماً كما هو الأمرُ مع غريزةِ التديُّن، حين لا يهتدي المرءُ الى عبادةِ الخالقِ الواحد، الواجبِ الوُجود؛ فإن وجدانهُ قد يقودهُ في سياقِ السّعي لإشباعِ هذه الغريزة وفي ظل غياب الفكر المستنير، الى عبادة الحجرِ او القمر او البقر..!.

 ولم يتوقف الأمرُ في خَلَدِ صاحبنا عند هذا الحدّ، بل تجاوزه الى استذكارٍ آخرَ، رَقِيَ إليه بأداءٍ مُنولوجيٍّ؛ وكأنه جرَّدَ من نفسهِ نَفْسَاً أخرى تُشبه روح «بنت الأصول» التي أوقدتْ فيه جذوةَ الشِّعر، ثم رحلتْ الى صمتِ الأوابدِ والجلاميدِ الخُرْسِ في أعالي الشّواهقِ، وفي مُنْحدراتِ الأودية، وفي بُطونِ الصّوامتِ من المفازاتِ التي كانت مأهولةً ذاتَ زمنٍ بالضجيج والسَّغَبِ، وبالكفاح العنيدِ من أجل البقاء والاستمرار.

 قال لها في حِواريّةِ الوُدِّ والاستبصار: هذي الحياةُ – يا بنتَ الكرام -، تستحقُّ منّا أن نفهَمها، ونفهمَ دَوْرَنا فيها، وأنْ نَعِيَ على حاجاتِ أبداننا وعقولِنا وجبِلَّتِنا، حتى نُؤدّيَ ما علينا نحوَها على الوجهِ الصحيح، بعيداً عن الغَبَشِ والسّرابِ والضياع؛ وكما قال الإمامُ عليٌّ كرّم اللهُ وجهَهُ: «إنّ هذه القلوبَ تَمَلُّ كما تَمَلُّ الأبدانُ، فابتغوا لها طرائفَ الحِكَم»؛ وعليه فإنّي مُسْتَذْكِرٌ لهذا الطّوْدِ الشّامخِ أقوالاً – حِكَماً، إنْ نَحْنُ اتخذناها في حياتنا منائِرَ ونباريسَ، كانت لنا دِرْعاً وجُنّةً، وأبعدَتْ عنّا الغوائلَ، والمفاسِدَ، وما تكرهُ الأنفسُ الصّافياتُ الطيّباتُ، وجعلتْنا نحيا ونعيشُ في وئامٍ مع بني جِنْسِنا دون حاجةٍ الى صُحبةِ الكلاب، أو الهروب السلبيِّ، فنقع معه في ابتلاءاتٍ ومفاتنَ، أهونُ منها، الوقوعُ في نَهْشِ الأسودِ، وكيدِ النُّمور، ومخالبِ الثعالبِ والذِّئاب..!.

 قال: «خالِطُوا الناسَ مُخالطةً إنْ مُتُّمْ معها بَكَوْا عليكم، وإنْ عِشْتُمْ حَنُّوا إليكم»، وهوَ مَنْ أتحفَنا بقوله: «أعجزُ الناسِ مَنْ عجزَ عن اكتسابِ الإخوان، وأعجزُ منهُ مَنْ ضَيَّعَ مَنْ ظَفِرَ به مِنْهُم»، ولا ننسى نصيحتَهُ لابنه «الحسن» رضي الله عنهما: «يا بُنيَّ، إيّاك ومصادقةَ الأحمقِ، فإنّه يريدُ أن ينفعَكَ فيضرُّكَ؛ وإيّاك ومصادَقَةَ البَخيلِ، فإنّهُ يبْعدُ عنكَ أحوجَ ما تكونُ إليه؛ وإيّاكَ ومصادقَةَ الفاجرِ، فإنّهُ يبيعُكَ بالتّافهِ؛ وإيّاكَ ومصادقَةَ الكذّابِ، فإنّهُ كالسّراب: يُقرِّبُ عليكَ البعيدَ، ويُبْعِدُ عليكَ القريب»، ولا يفوتنا ما نصَحَ به في زمنِ الفِتَنِ حيث قال: «كُنْ في الفتنةِ كابنِ اللّبُونِ (ابن النّاقة اذا استكملَ سنتين)، لا ظهرٌ فيُرْكَبَ، ولا ضَرْعٌ فيُحْلَبَ»؛ وهو الآمرُ بالصبر والحاثُّ عليه، لما فيه من خير عارمٍ، ومآلٍ يُفضي الى النُّورِ والبهاءِ والرَّضى. يقول: «…، والصبرُ شجاعة…»؛ «لا يَعْدَمُ الصَّبورُ الظَّفَر وإنْ طالَ به الزمانُ»؛ “عليكُم بالصبر فإنّ الصبرَ من الإيمان كالرّأس من الجسد، ولا خيرَ في جسدٍ لا رأسَ معهُ، ولا في إيمانٍ لا صبر معهُ”.

…..، وتَقْطَعُ حواريّةَ صاحبِنا، كُمْنَةٌ، أحالتِ الأمام عندهُ عَتمةً ووراء، ودمعاتٍ في الأجفانِ المُتَورِّمات، حيث ارتدّتِ الذاكرةُ الى ماضٍ بهيجٍ ومُغَسَّلٍ في نهرِ الأحزان، ومُشْرِفٍ على حُبٍّ مُصابٍ بعشىً ليليٍّ جرّاءَ جُرْحٍ خَدَش الوفاءِ في روح الأنداء…؛ تنقلبُ أمامهُ لَسْعَةُ البرد ناراً، حين توقّفتْ قريباً منه سيارةٌ تعبقُ بشميمِ أمِّ كلثومِ وهي تصدحُ بكلماتِ “أحمد رامي”:

“يا هُدى الحيرانِ في ليلِ الضَّنا،

أينَ أنتَ الآنَ، بل أينَ أنا؟

تاهَ فكري بين أوهامي وأطيافِ المُنى،

لستُ أدري يا حبيبي، مَنْ أنا، أينَ أنا؟”.

وقبل ان يَطْويَ صفحةَ الذاكرة، قال لنفسهِ مرّة خامسةً، ومخاطباً عَبْرَها تلك الدّمعاتِ البَوارقِ في صَمْتِ مَنْ تَعَوَّدتِ المشيَ ليلاً في صُحْبةِ الوفاءِ السّاكنِ دمَ كلبها: لا عليكِ، ما زالَ في هذه الدُّنيا قمرٌ يشمخُ في الليلِ، وشمسٌ تسطعُ في النهار؛ لم يَمُتِ الأملُ بعدُ، ولم تذهبِ المُروءةُ الى غير رَجْعَة؛ وإلاّ لكانتْ قامتْ القيامةُ وكنُّا الآنَ فوقَ الصِّراط….!.

 أحسني الى كَلْبِكِ، وانظري مَليّاً في مَنْ حَوْلَكِ، فالخيرُ لم يُعدَمْ للآن على وجهِ الأرض.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s