هكذا نمتلك مُدننا…”ميديلين” الكولومبية نموذجا

لا توجد تعليقات

لبنان عربي – سامر الحجار

المتابعون للأفلام الوثائقية أو المسلسلات في نيتفليكس، يعرفون أنه وخلال الثمانينات من القرن الماضي لم تكن السلطات البلدية والإقليمية في العديد من المدن في أميركا قادرة على الحفاظ على النظام أو السيطرة على تجارة التهريب المزدهرة خاصة الماريجوانا ثم الكوكايين. من بين هذه المدن، مدينة “ميديلين” الكولومبية.

صنفت “ميديلين” في أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات، تحت خانة المدن الخطرة حيث بلغ معدل جرائم القتل فيها 380 قتيل لكل 000 100 شخص في العام 1991، كان الرقم قياسيا عالميا.

 أرهب تجار المخدرات والعصابات المحلية والميليشيات والجماعات شبه العسكرية والمجرمين الصغار كل قطاع من قطاعات المدينة، وكثيراً ما دعموا بشكل غير رسمي جهود بعضهم البعض. ما سمح بنشوء طبقة إجرامية جديدة قامت بتهميش وإفساد المدينة.

في ميديلين، أسس “بارون” المخدرات “بابلو إسكوبار” ما يعرف بـ”كارتيل ميديلين”‏ أكبر وأشهر تكتل لتجارة المخدرات في العالم. وفي سنة 1989 أعلنت كارتل ميديلين بقيادة إسكوبار الحرب الشاملة ضد الدولة. نظم الكارتيل وموّل شبكة واسعة من القتلة، وقتلوا شخصيات رئيسية لمؤسسات وطنية وارتكبوا أعمالًا إرهابية عشوائية باستخدام السيارات المفخخة في المدن الرئيسية للدولة. لتصبح ميديلين وقت ذاك أخطر مدينة في العالم.

وكجزء من حركة وطنية لعكس اتجاه التدهور في كولومبيا، الذي شمل صياغة دستور عام 1991 الذي تم إصلاحه والموافقة عليه، بدأ قادة ميدلين من القطاع الخاص والشبكات الناشئة لمنظمات المجتمع المدني، الذين جمعهم رفضهم للعنف، في أوائل التسعينات، في إعادة نسج النسيج الاقتصادي والاجتماعي للمدينة الذي تضرر بشدة. وبالتعاون مع هذه الشبكات التجارية والمدنية، والعلماء والمهنيين، وضعت الحكومة المحلية خططا استراتيجية لتحديث المدينة ومكافحة العنف. وبسبب ذلك أخذت معدلات العنف بالانخفاض.

 مع الوقت تبين أن حل الكارتلات لم ينه العصابات والجريمة وكان الحل الذي تلجأ له الحكومة هو إغراق الأحياء بالشرطة المسلحة. لكن الاهالي كان لهم رأي مختلف، فلقد أكثروا من الاجتماعات كل منهم في حيه، وأقنعوا إدارة  المدينة بانتهاج نهج مختلف في التعاطي مع المسألة: العمل على تخفيف حدة الفقر والعزلة وانعدام الفرص التي تدفع الشباب إلى اغتنام الجريمة كأفضل طريق لهم نحو النجاح. وبدلاً من وضع المزيد من الأسلحة في الشارع، قرروا الاستثمار في المجتمعات الفقيرة ومعاملة السكان كمواطنين من الدرجة الأولى.

هدفت هذه المشاريع الى جلب الاستثمار إلى البرامج الاجتماعية المبتكرة في أحياء المدينة المهمشة والعنيفة. ومن بين المشاريع الكبيرة الأولى التي تم تدشينها “مكتبات الحي” التي تركز على الإدماج واستعادة الأماكن العامة. كما تم انشاء تيليفريك لحل مشكلة النقل بطريقة مبتكرة وصديقة للبيئة، إذ تم إنشاء ستة خطوط للتليفريك ليربط بين “المدينتين” في ميديلين: المركز التجاري والصناعي مع المحيط المهمش تاريخيا.

 أدى المشروع إلى انخفاض كبير في وقت وتكلفة الانتقال إلى القطاعات الصناعية والتجارية على طول نهر ميديلين، مما حفز العمالة والتكامل الاجتماعي. كما بنوا سلسلة من السلالم المتحركة في الهواء الطلق في التلال، لتصل إلى عشرات الآلاف من سكان الجبال الفقراء الآخرين الذين ليسوا قريبين من  وسط المدينة. وفي الآونة الأخيرة، أضافوا حافلات كهربائية وخدمة مشاركة مجانية للدراجات في جميع أنحاء المدينة، إلى جانب ممرات الدراجات المنفصلة.

قامت السلطات بتجديد نظام التعليم في المدينة، حيث وضعت 20,000 معلم من خلال تدريب إضافي في مراكز خاصة تركز على أساليب التدريس المبتكرة. ويتمتع جميع الأطفال الآن بحرية الوصول إلى البرامج المحلية بعد المدرسة التي تشمل دورات في الثقافة والعلوم والتكنولوجيا وتعلم اللغة.

وأخرجت المبادرات الرامية إلى توجيه المزيد من الشباب بعيدا عن الجريمة آلاف الأطفال الصغار سنويا من العصابات، ووجهت الجهود الرامية إلى رفع معدلات التعليم الجامعي. كما قامت السلطة المحلية بتطوير الرعاية الصحية، مع إيلاء اهتمام إضافي بالأطفال، وبإنشاء مراكز لرعاية الأطفال تقدم خدمات صحية وغذائية لهم ولأسرهم.

كما أطلقوا مشاريع أخرى تهدف إلى تحسين الثقافة ونوعية الحياة في المدينة. بدأت المدينة في إضافة ما يصل في نهاية المطاف إلى ملايين من المساحة العامة لمجموعة متنوعة من الاستخدامات، بما في ذلك بناء أو تجديد 40 حديقة عامة. كما تم بناء حديقة المكتبة الإسبانية، وهي مكتبة ضخمة ومعاصرة محاطة بمساحة خضراء على قمة الجبل. وقد أصبحت تلك الحديقة، القريبة من المجتمعات الفقيرة، جذبا سياحيا عالميا.

بدأت المدينة في بناء ورعاية الاقتصاد الرقمي للحد من نسب الفقر. وأنشأت منطقة للابتكار، ووفرت المكاتب والتمويل الأولي والخبرة وغيرها من أشكال الدعم للشركات الناشئة ذات التكنولوجيا العالية. كما ساعدت السلطات المحلية على التوسط في إقامة شراكات محلية وشركات التكنولوجيا الكبرى. ونتيجة لهذه الجهود، أنشئت مئات الشركات الجديدة في المدينة مما أدى الى خلق الاف فرص العمل. أقامت المدينة مئات المناطق العامة للواي فاي المجاني. بالإضافة إلى ذلك، وضعت أجهزة كمبيوتر مجانية في مئات المواقع حيث يمكن للمقيمين الوصول إليها.

ولتسهيل تفاعل المواطنين مع سلطة المدينة، وضعت السلطة إمكانية الوصول إلى الغالبية العظمى من خدمات المدينة والمرافق على الإنترنت. يمكن بدء أي خدمة تقريبًا أو تغييرها أو إيقافها أو دفع ثمنها عبر الانترنت. يمكن للمقيمين الحصول على تحديثات عبر الإنترنت حول تشريعات المدينة وصنع السياسات والمشاريع. ويمكنهم التفاعل مع مسؤولي المدينة بطرق متنوعة، وتوفير مساهمة قيمة لقادة المدينة والسماح للمجتمعات المحلية بالمشاركة مباشرة في القرارات المتعلقة بكيفية إنفاق بعض ميزانية المدينة.

لقد ساعدت كل هذه الجهود الى تحويل مدينة ميديلين من وضعها الكئيب والسيئ في أوائل التسعينيات إلى مدينة تسجل أدنى معدلات الفقر والجريمة وأعلى معدلات الحصول على التعليم والرعاية الصحية في أمريكا الجنوبية. شعور السكان  والقطاع بأنهم ساعدوا بالفعل في اتخاذ القرارات التي نقلت ميديلين نحو هذه التحسينات كان جزءًا حاسمًا من العملية.

 من السذاجة مقارنة ميديلين بأي مدينة لبنانية ولكن تعطي ميديلين درسا أن السعي وراء حلم تحسين المدينة، التي كانت الأخطر في العالم، بدلاً من هدمها بإعلان فشلها، نجح بالعمل والجهد والارادة الثابتة للاهالي بتحقيق حلمهم.

فاذن كما تمكنت ميديلين من استخلاص القوة من شعور سكانها القوي بالانتماء، يمكن لطرابلس والمدن اللبنانية الأخرى أن تتطور بالتوحد حول شبكات المجتمع المدني والقطاع العام والخاص، والتي تهدف الى سد ثغرات الانقسامات الاجتماعية والثقافية والدينية الواسعة. وستكون هذه الارتباطات محورية في الجهود الجارية التي تبذلها المدينة للحد من التفاوتات الاجتماعية وإنهاء دورات العنف الراسخة وتحسين الوضع الاقتصادي.

 لا شيء في هذا العالم يمكن اعتباره مستحيلا اذا توفرت الارادة. قصة ميديلين هي قصة يمكن ان نراها في أي مدينة لبنانية ان توفرت العزيمة والارادة. لكل مدينة تحدياتها الخاصة، ولكن المسؤولية الفردية في المجتمع تساعد في بناء عالم أكثر مساواة وعدلا وإنتاجية.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s