“الجماعة الاسلامية” في ذكرى المولوي: في الجعبة آمال ام بكاء على الأطلال؟

لا توجد تعليقات

لبنان عربي

تصادف الذكرى السنوية التاسعة لرحيل العلامة الشيخ فيصل مولوي هذه السنة مع أحداث متسارعة يشهدها لبنان. فالمولوي الذي تولى لأكثر من عقدين الأمانة العامة للجماعة الإسلامية في لبنان (الإخوان المسلمين) تشهد جماعته التي تركها خلفه محملة بثقل وتحديات جسيمة، مرحلة عصيبة وخانقة، في ظل تحديات خارجية تبرز منذ العام 2013 (العام الذي شهد سقوطا مدويا لحكم الإخوان المسلمين في مصر وتراجع وانحسار لتيارات إخوانية في دول الربيع العربي)، وتحديات داخلية بدأت منذ اللحظة الأولى لوفاة مولوي الذي جمعت شخصيته بين الحزم واللين.

 توفي مولوي فخلفه صديقه الحاج إبراهيم المصري حتى بداية العام 2016، وهو عام تفجر الصراع الداخلي الذي تعايشت معه الجماعة سنوات طويلة.

من تشييع الشيخ فيصل مولوي

الصراعات الداخلية وهزيمة الحرس القديم

 انفجر هذا الصراع عند تولي عزام الأيوبي منصب الأمانة العامة خلفاً للمصري، شهدت انتخابات الجماعة الإسلامية يومها معركة بين الأيوبي وبين غسان حبلص المحسوب على  الحرس القديم في التيار اللبناني الإخواني، فاز الأيوبي بفارق كبير عن منافسه، لكن تلك المعركة التي سميت بالعملية “الشورية” كانت فاتحة انقسامات عمودية في جسم الإخوان اللبنانيين.

 فاز التيار الشبابي الذي يمثله الأيوبي، وأطيح بتلك الوجوه التي يحمّلها قطاع واسع في الجماعة مسؤولية إخفاقات متتالية في السياسة والعمل المؤسساتي، وظهرت الإخفاقات جلية في عاصمة الشمال طرابلس، التي شهدت لسنوات عدة جولات قتالية، كانت الجماعة تغيب عن ممارسة الدور المتوقع منها، مخلية الساحة للتيارات السلفية لتتصدر المشهد عبر كيانات تدعمها الجماعة كهيئة علماء المسلمين.

 صعد الأيوبي سدة القيادة العليا في زمن قالت عنه الجماعة انه زمن الحصار العربي عليها، وورث الأيوبي تنظيما أغلقت عنه مصادره المالية الخارجية كنتيجة مباشرة للموقف الخليجي “المشيطن” للتنظيم العالمي للإخوان.

وفي مسعى منه لإنكار الخلاف والظهور بصورة موحدة في ظل هذا الحصار والتحديات الداخلية، حاول الأيوبي احتواء المجموعات الرافضة لصعوده، عبر تولية البعض منهم مسؤوليات قيادية في الجماعة، لكن هؤلاء شكلوا وهم في سدة المسؤولية تحالفاً معارضاً للرجل، ما أعاق مسيرته في تضميد الجرح الداخلي.

هل تستعيد الجماعة حضورها؟

“رؤية وطن” ومحاولة اثبات الحضور

 أطلقت الجماعة عام 2017 مؤتمرها العام “رؤية وطن” كأول مؤتمر مفتوح للإعلام، بمشاركة كبار الشخصيات السياسية وبحضور ممثلي الرؤوساء الثلاثة، في رسالة خارجية أننا حاضرون في المشهد العام رغم محاولات الإقصاء والإلغاء، ونسعى لإعادة ترتيب الصف الداخلي المطالب بالتغيير،  في الوقت الذي ازدادت فيه الخلافات الداخلية، وبرزت على السطح ملفات خلافية جديدة ابرزها الشكوى من عدم وضع الجماعة يدها على المؤسسات الطبية والتربوية والخيرية المحسوبة عليها شكلاً، لكنها في المضمون باتت جزرا مستقلة تعيش انهيارات مالية وإفلاس.

 خرج المؤتمر العام بخلاصات داخلية وخارجية كان أبرزها  التفويض غير المعلن  لقيادة الجماعة الجديدة للضرب بيد من حديد على طاولة مؤسساتها الخارجة عن إرادة الأم الحنون التي أسست وساهمت في البناء والتوسع، على اعتبار ان النجاح في الامساك بالملف المؤسساتي يساعد الجماعة على استعادة مكانتها رويدا رويدا، ويعيدها للعب دور متقدم شعبيا وسياسيا.

انتخابات البرلمان ونقطة اللاعودة

على المستوى السياسي كانت انتخابات برلمان 2018 نقطة تحول في مسيرة الجماعة على الصعيدين السياسي والبيت الداخلي، برزت أصوات عديدة داخل الجماعة تطالب القيادة بمقاطعة المعركة الانتخابية، المكتوب ظاهر من العنوان: الجماعة في حالة مالية صعبة ولا معركة دون عدتها الأساس وهو المال، والصف الداخلي غير مهيأ لخوض غمار المعركة في ظل قانون انتخابي صيغ بشكل هجين لضمان فوز أقطاب السياسية الكبار دون غيرهم، وفي ظل كلام عن فيتو إماراتي – مصري على دخول الجماعة لوائح تيار المستقبل أو القوات اللبنانية، وهذا ما استدعى حينها موقفاً عالي النبرة من النائب وليد جنبلاط عن رفضه محاصرة واقصاء قوى سياسية، نظرا لحاجته الى دعم الجماعة للائحته في إقليم الخروب والبقاع الغربي وحاصبيا.

 أصرت قيادة الجماعة يومها على خوض التجربة حتى لو كلفتها الخسارة المدوية. إثبات الوجود كان دافعاً أساسياً للخوض في غمار معارك مجهولة النتائج، فتحت الجماعة حوارات مباشرة مع قوى سياسية كالتيار الوطني الحر والرئيس نجيب ميقاتي والوزير عبد الرحيم مراد، وقنوات تواصل مع تحالف وطني الذي ضم قوى مدنية معارضة، استقرت الجماعة على تحالفها في صيدا وعكار مع التيار الوطني الحر حيث حضورها المتقدم، حاول الوزير جبران باسيل حينها الضغط على الجماعة للتحالف معه في طرابلس وبيروت ودعم مرشحيه في الجبل والبترون والبقاع، لكن الجماعة رفضت حينها واختارت في بيروت تحالفاً مع شخصيات وعائلات بيروتية، وفي طرابلس خاض مرشحها حديث العهد في العمل العام وسيم علوان التحالف مع النائب الأسبق مصباح الأحدب، كانت النتائج مخيبة لآمال جماهير الجماعة، أعطت الجماعة أصواتها في البقاع وحاصبيا وجبل لبنان للحزب التقدمي الإشتراكي وتيار المستقبل وأعطت أصواتها في البترون والكورة للقوات اللبنانية، حصدت الجماعة بشكل مباشر 20 ألف صوت تفضيلي فيما يقال أنها جيرت 10آلاف في مناطق أخرى لحلفائها، ما اعتبرته حينها إثبات حضور في ظل الواقع الذي فرض عليها.

 دخلت الجماعة بعدها ورشة تنظيمية داخلية شهدت قرارات قيل عنها شجاعة ووصفت بالمتهورة أبرزها إقالة النائب السابق أسعد هرموش من منصبه بعد إعلان دعمه لتيار المستقبل في استحقاقات انتخابية، فيما تم فصل آخرين لمخالفات تنظيمية وجزء آخر يقال لتهم تتصل بارتباطات أمنية مشبوهة تتنافى مع أدبيات فكر وممارسة أيديولوجيا الإخوان، وألقت هذه الإجراءات بظلالها على الجماعة، واستمرت القيادة العامة للتنظيم في حالة طوارئ تحت عنوان إجراء إصلاحات ومراجعات كبرى تتصل حتى بالفكر والممارسات الحركية، عدّلت خلالها في إطرها التنظمية والسياسية والخيرية والأمنية، ما شكل مرحلة انعزال عن الشارع والعمل على ترتيبات انتقال سلس للأجهزة التنظيمية .

17 تشرين و البحث عن دور

شكلت انطلاقة ثورة 17 تشرين 2019 مناسبة سياسية وجماهيرية لتعيد الجماعة حضورها الميداني عبر مشاركة المنتفضين ثورتهم. كان الموقف الأولي غير واضح المعالم، تخبطت قوى سياسية كبرى أمام مشهدية ثورية لم يشهدها لبنان من قبل، اختارت الجماعة بعد مداولات عديدة الإنضمام للشارع، نزل الكوادر والشباب الى الميدان، تقدموا على مواقف قيادتهم، فوجدت الجماعة الإسلامية من الحدث الكبير مناسبة تحمل في طياتها أهدافا متعددة: البحث عن دور ثوري، والانتقام من قوى سياسية على رأسها تيار المستقبل المتهم الدائم باقصاء الجماعة وابعادها عن أدوار قد تلعبها في الميدان السني.

الايوبي مع ياسين أقطاي مستشار الرئيس التركي

كانت الاتصالات تجري بين النائب السابق عماد الحوت وشخصيات سنية ووطنية على رأسهم الرئيس فؤاد السنيورة وقيادات الحزب التقدمي الإشتراكي وحزب القوات اللبنانية، للبحث في كيفية توحيد المواقف تجاه الثورة ودعمها، نزلت الجماعة بقوتها في مناطق حضورها: صيدا والبقاع وطرابلس وبيروت وبرجا، ما أطلق العنان لاتهامات مباشرة لها بقيادة الشارع، وانها تستغله لتحقيق قفزة الى الامام بعد سلسلة من الانتكاسات السياسية والانتخابية والداخلية، وانها تتلقى دعما قطريا وتركيا لتحقيق ذلك في اطار الصراع على النفوذ في المنطقة بين محور السعودية والامارات من جهة وبين محور قطر وتركيا من جهة ثانية. ردت الجماعة على كل هذا باتهام جهات مرتبطة بمحور أبوظبي بالسعي لتشويه صورتها وحرف مسار الثورة عن مكانها الصحيح.

اي مصير ينتظر شباب المولوي؟

بعد كل هذه الاحداث والوقائع والخلافات والانتكاسات، تقف الجماعة اليوم مكتوفة الايدي، ليس الزمان زمانها، ولا الساحة ساحتها، ولا الاجواء المحيطة تساعدها، فقد شباب المولوي حضورهم القديم، وهم ومن شابههم من الاحزاب والتنظيمات السياسية الأخرى، يدفعون ثمن تسويات وصفقات وتحالفات ومصالح القوى الكبرى التي تتحكم برسم السياسة الداخلية بما يحقق لها مكتسباتها، والجماعة محدودة التأثير سياسيا ويتراجع حضورها الشعبي لاعتبارات عديدة ما يفقدها ورقة تفاوض أساسية، المجتمعات التي كانت تتوجه لها هي الأخرى تتبدل وتتغير، وباتت هذه المجتمعات ترفض التيارات ذات الطابع الديني وتتجه لتيارات اكثر انفتاحا وتماشيا مع العصر، تيارات مودرن عصرية وصاحبة نفوذ وسلطة ومال، والناس تبحث عن من يطعمها خبزا ويؤمن لها وظيفة، قلة منهم لا زالوا يتأثرون بالايديولوجيا ويؤثرون الدين على الدنيا، وهؤلاء القلة لا قدرة لهم على تأمين فوز مختار في حي شعبي صغير.

تقف الجماعة اليوم أمام كل هذه التحديات محاولة تجاوزها اكراما لرعيلها الاول المؤسس ولذكرى علامتها الاكبر الشيخ فيصل مولوي، ساعية للعودة بثبات الى الساحة الداخلية، فهل تنجح في تحقيق ذلك؟ ام قد سبق السيف العذل؟

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s