حذاء في المخيلة

لا توجد تعليقات

لبنان عربي – صهيب جوهر

بني الطغيان على خمس

 تقديم الذيل على الرأس

 تخدير الحاضر بالأمس

 توزيع الخوف مع اليأس

 تقديس الشرطة والعسس

 وبقاء الجحش على الكرسي

يختصر عبد الرحمن يوسف بهذه الابيات العوامل الأساسية لتربع الطغيان السياسي في البيئة العربية المأزومة على صدور الناس.

 الصورة التي رسمتها الأنظمة المتعاقبة على الحكم في العالم العربي منذ انقلاب عبد الناصر وحتى انقلاب عساكر الجنوب اليمني منذ أيام، أسست وتؤسس لقبول طبيعي لحكم العسكر أو العوائل لا لحكم الشعب.

 لم تقم انتخابات فعلية وغير صورية في المنطقة إلا وهزت أركان وعروش جماعات العسكر فاضطرتهم للإنقلاب عليها، لإعادة الإنتظام العام وتثبيت التوازن الداخلي، متذرعين بتفويض شعبي تستحضره دائماً اليد الخفية لأجهزة المخابرات، فيصبح البلد برمته بين ليلة وضحاها يصلي لحماية العسكريتاريا، كرها لا عفوا.

 منذ خمسينيات القرن الماضي كان شعار الانظمة العسكرية في عالمنا العربي:” لاصوت يعلو فوق صوت المعركة”، تحت هذا الشعار خيضت حروب الهزائم تباعاً، فدمرت أحلام المواطنين ببناء الدول وتعززت السياسات الخرقاء القائمة على أن البلاد بطولها وعرضها هي مشاع لأحكام الطوارئ ، تأقلمت شعوب العرب مع الإنقلابات العسكرية فشهدت حوالي 36 إنقلاباً دون أن تتحرك في وجدانهم نزعة المدنية التحررية ورفض حكم البدلات العسكرية.

 شكلت البيئتان السورية والمصرية نماذج قاتمة عن الشعوب الخاضعة للحكم العسكري، فظهر المصري وبعده السوري كمواطن خانع لحكم العسكر، رغم بعض محاولات التمرد التي أنهيت في مهدها.

 صور عبد الناصر وحافظ الأسد لم تفارقا جدران المتاجر والمنازل، الرفض المستمر للتغيير كانت ترافقه دائماً عبارة “ما منعرف لوين منروح”.  كانت تلك الشخصيات الإنقلابية تركز على تلك الكلمات لتنطلق منها عند كل محاولة يائسة للتغيير أو الإنتفاضة.

 قوبلت محاولات الشيوعيين والإخوان في مصر للإطاحة بعبد الناصر برفض الشارع لها، كانت خطابات الإدانة تسبق أي قمع أمني للمظاهرات ، ولا يمكن إغفال دور اليد الخفية التي ساهمت في تدجين الناس مما جعلهم يتقبلون الظلم والإستبداد السياسي والحرمان من التطور والتقدم.

 كان خطباء ووعاظ الأنظمة يذكرون الناس ببطولات عسكر المسلمين منذ خالد بن الوليد وحتى الظاهر بيبرس لتكريس نظرية الفارس صاحب السيف اللامع، الذي ينقذ البلاد والعباد من فوضى التآمر على الدولة الناشئة . يتناسى وعاظ عبد الناصر والأسد والقذافي أن الحاكم المدني عمر بن الخطاب قام بعزل القائد العام للقوات المسلحة خالد بن الوليد دون الخوف من مآلات انقلاب عسكري. تهمل أدوات السلطة دينية كانت أو إعلامية الشق المدني في الحكم، لا وجود للمدنية  في قاموس الانقلابات العسكرية، حتى راحوا يشيطنون الدولة المدنية ويربطونها بالعلمانية واليسارية والليبرالية لكسب ود الشرائح الفقيرة ذات التدين الفطري، والفئات الملتزمة التي انشغلت أو أشغلت لسنوات في مناقشة المصطلح، في الوقت الذي كان فيه كان حكام البدلات المرقطة يبثون الخراب ويقضمون آخر أشكال الدولة وهيبتها، حتى باتت الهيبة تقترن بالحذاء العسكري، وهراوة الخشب والدبابة ومشط الرصاص المطاطي والحي، فيما هيبة الإصلاح والتنمية والبناء والتكنولوجيا والحداثة لا مكان لها إلا في وعود لم تجد لها جدولاً زمنياً للتنفيذ، التكنولوجيا الوحيدة هي تكنولوجيا التجسس على المواطن، والإستماع لما يدور في الغرف والمنازل ومحال الحلاقة ومقاهي الليل الطويل .

كان الحلم الجميل في عام 2011، بداية فعلية لكنها طويلة لطي صفحة ما مضى.  خروج الناس للشوارع والميادين، أربك أنظمة السمسرة العربية أمام مشاهد الميادين المطالبة  بخلع وجوه الطغيان.  خدعنا يوم سقط مبارك والقذافي وبن علي وصالح، وظننا أن المعركة تنتهي عند هذا الحد  الفاصل بين التاريخ.

 أجريت انتخابات في مصر وتونس وخضع ملوك المغرب والأردن لنتائج الإستفتاءات التي مهدت لصعود الإسلاموية التقليدية. كان التربص سيد الموقف، “أكلنا يوم أكل الثور الأبيض”، عادت الدبابة للشارع، خرج المواطن ونزل الجندي والشرطي، ترافق ذلك مع حملات إعلامية ممنهجة عن بطولات حزيران وتشرين وتموز ورمضان وشعبان.  باتت “جزمة” أصغر مجند عربي تحكم أكبر الفائزين في صناديق الشعب المقفلة من رأسها والمخروقة من الأسفل، كان الخرق يوم خرجت الجموع وقبلت بشراكة مذلة مع حماة الديار، لم يعودوا للحدود، باتت إسرائيل الأم الحنون وبات النوم في حضنها وثيقة براءة من الإرهاب وشهادة دكتورة بالإنفتاح الحضاري وكأن شمس التنوير تشرق من رأس نتنياهو.

المشهد السوداوي هذا لا يحتاج لرثاء ومآتم. يحتاج تراكماً منهجياً لوعي الجماهير بشيء واحد، أن الجندي والشرطي وعنصر المخابرات ورأس الهرم وموظف الجوازات هو خادم عند الشعب، لا يختلف أبداً عن موظف المالية والبلدية وجابي الكهرباء وعامل النظافة الشريف.

هنا تكمن الحلول .. البداية والنهاية، الصعود والنزول، التقدم والتخلف يبدأ من هذا المسار الصعب، صعوبته بقبول المدني للفكرة قبل العسكري .

فهل يمكننا ان نحلم بذلك؟

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s