غريغوريوس الرابع حدّاد: “بطريرك العرب وأسقف الفقراء”

لا توجد تعليقات

ينشر هذا الموضوع بالتنسيق مع “لقاء الاحد الثقافي” الذي يضم نخبة من المثقفين في مدينة طرابلس وضواحيها، من ضمن سلسلة مواضيع يعمل عليها أعضاء اللقاء وتهدف الى إلقاء الضوء على شخصيات تمثل حقيقة التدين مضافا إليه العلم والعمل، في زمن ضاعت فيه قيم الدين والعلم.

لبنان عربي – الدكتور جان توما

هي أيام نستذكر فيها كبارًا التزموا قضيتهم، وترجموا إيمانهم في أزمنة الشدّة كالبطريرك الأرثوذكسي غريغوريوس (الرابع) حدّاد الذي تميّز في التاريخ بموقفين أساسيين: عروبته وانحياز إلى الفقراء.

مفاصل حياته باختصار:

هو غنطوس حداد ابن بلدة عبيه  في جبل لبنان (1 تموز 1859 – 12 كانون الأول 1928)، بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس منذ عام (1906) حتى عام (1928). توجه إلى الحياة الرهبانية عام (1877) في دير سيدة النورية بحامات متخذًا اسم غريغوريوس، وتمت سيامته شماسًا عام (1879)، ثمّ انتقل إلى بيروت حيث أسس جريدة (الهدية) عام (1883)، وعمل رئيسًا لتحريرها حتى عام (1888)، بقي شمّاسًا ولم يطلب شيئًا إلى أن انتخبه المجمع أسقفًا لطرابلس الشام عام (1890)، فسيم كاهنا ، وبعد أربعة أيام مطرانًا.

شارك غريغوريوس في الجبهة العربية الأنطاكية التي نجحت عام (1899) في انتخاب وتنصيب أول بطريرك عربي (ملاتيوس الدوماني)، عوضًا عن يوناني، على سدّة الكرسي الأنطاكي الأرثوذكسي، وعقب وفاة البطريرك ملاتيوس الثاني (الدوماني)، انتخب غريغوريوس بطريركاً لأنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس في السادس من آب عام (1906)، هو ثاني بطريرك عربي، والمفارقة أنّ المجمع المقدس رشّح المطران جراسيموس مطران بيروت وغريغوريوس مطران طرابلس، وفاز المطران غريغوريوس باتفاق الأصوات وهو أعطى صوته إلى مطران بيروت.

أعماله في طرابلس

– أسس الأخويّة الأرثوذكسيّة الطرابلسيّة (شؤون المعوزين والمحتاجين)، وأنشأ مكتبة في دار المطرانيّة بالزاهريّة، وقد اطلق اسمه على الشارع الممتدّ إلى دار المطرانية، ودعم مكتبات أديار سيدة النورية وحماطورة وكفتون، وجدّد مدرسة بكفتين ومدرسة البلمند الإكليريكية، وأنشأ مدرسة في فيع وفي دوما والمتن وجديدة مرجعيون والكفير وحاصبيا وصور وراشيا الفوقا وعين عطا وشبعه وعين حرشه وغيرها…

بطريرك الفقراء

– كان يزور البيوت الفقيرة، وفي نهاية الزيارة يطلب كوب ماء أو أي شيء، حيلة منه كيلا يدرك أهل المنزل أنّ مطرانهم وضع نقودا تحت غطاء الطاولة أو الكنبة.

– أعدّت له ابنة شقيقته قلنسوة جديدة ليلبسها في عيد الفصح. لم يلبسها في القداس. اتضح أن كاهنًا قرويًّا زاره قبل الفصح فقال له المطران: يا ابني اخلع قلنوستك والبس قلنسوتي.

– اعتقل قاض في طرابلس بوشاية جاسوس من رجال السلطان عبد الحميد العثماني وأعرض الكلّ عنه. لكن البطريرك زاره في سجنه وشجعه، وأمدّه بالمال ودافع عنه في طرابلس والآستانة حتى ظهرت براءته وأعيدت إليه كرامته. ولما صار بطريركًا جاء ابن القاضي مع رهط من وجهاء مدينته وقال له:” أنا آتٍ من الآستانة لتنفيذ وصية والدي المتوفّى، فقد قال لي: سرّ إلى دمشق، وقبل زيارتك الجامع الأموي، اذهب وقبّل يد بطرك الروم. فلما سأله عن والده عرف أنّه هو الذي كان يساعده في اعتقاله”.

– لما تفشّى وباء الهيضة (الهواء الأصفر) في طرابلس لم يهرب غريغوريوس من المدينة شأن كثيرين، ولكنه طفق يزور المرضى، ويعزي المنكوبين، ويعطف على الفقراء من حميع الطوائف. ولما ألحّ عليه أصدقاؤه بالفرار قال المطران:” ليست نفسي بأفضل من نفوس الذين لا يستطيعون الفرار من الوباء”.

– كان يذهب بثياب متواضعة مع المساكين للانتظار معهم في العيادة المجانيّة في مستشفى الجامعة الأميركية كي لا يصابوا بالحرج.

  في دمشق: باع الصليب ليطعم الفقراء

– خلال الحرب العالمية الأولى فتح أبواب المقر البطريركي في دمشق أمام المحتاجين من كل الطوائف، وكان مرجعًا للفقراء والمعوزين والمنكوبين، ودائم الطواف مع عدد من رجال الكنيسة في الأزقة والحارات ليقف بنفسه على حاجيات الفقراء، وكان في كثير من الأحيان يحضرهم إلى دار البطريركية والمدرسة التي تقابلها ويعتني بإعالتهم وكثيرًا ما كان يُطعمهم بيده غير ناظر إلى مِلَلهم مستدينًا المال لذلك.

– استدان أكثر من عشرين ألف ليرة ذهبية لمساعدة المتضررين من ويلات الحرب، ولتأمين ثمن القمح اللازم لإطعام الجائعين.

– اضطر لبيع صليب ذهبي كان قد أهداه إياه القيصر نيقولا الثاني خلال زيارته لروسيا لتغطية النفقات عام 1913م بألف ليرة عثمانية، وعندما لاحظ أحد أغنياء المسلمين ذلك، قام بفكّ رهنه ، وإعادته إلى البطريرك، ولكنه عاد وباعه من جديد دون أن يدري به أحد وحفظ مثيلًا له من زجاج واكتشف ذلك بعد وفاته.

– كان يخلع جبته الجديدة ويلبسها لأي كان فقيرا والطريف أنّ خَدَمَ البطريركية كانوا يخبئون بذلاته خشية أن يوزّعها.

– سأله يومًا الطاهي عن إحضار العشاء، قال له: اعطه غدًا لأول فقير يعبر دارنا، فلا يليق أن آكل وغيري يتضوّر جوعًا.

– في إحدى جلساته سأل عن التوقيت، عن الساعة. فانتبه أحدهم فنزع ساعته الذهبية من يده وأعطاها للبطريرك، ولما عاد في جلسة ثانية لم يجدها، واتضح أن البطريرك أعطاها لإمرأة طلبت مساعدته ولم يكن يملك غيرها.

– يروى إنه رأى من نافذة مكتبه يومًا أحد رجال الكنيسة يدفع رجلًا جاء سائلًا رغيف خبز إلى خارج البطريركية. فدعا البطريرك رجل الكنيسة وطلب منه إحضار رغيف خبز وقال له: أنظر إلى الرغيف، هل كتب عليه اسم من سيأكله؟ أعطه إلى كلّ محتاج يأتي إلى البطريركية، فالرّغيف ليس لأهل البطريركيّة بل لكلّ طارقٍ لأبوابها.

مواقفه مع الملك فيصل

أعلن البطريرك غريغوريوس الرابع تأييده للأمير فيصل بن الحسين، عقب تولي الأخير زمام الحكم في دمشق مع خروج القوات العثمانية من سورية في تشرين الأول عام 1918.

أيّد مطالب المؤتمر السوري العام الأول بوحدة أراضي سورية، ومن ضمنها فلسطين، واستقلالها.

رفض نظام الانتداب أمام لجنة (كينغ كراين) التي عينها الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون للوقوف على آراء أبناء سورية وفلسطين في مستقبل بلادهم.

عند انتخاب المؤتمر السوري لفيصل ملكًا على سورية في الثامن من آذار 1920 قام البطريرك غريغوريوس بمبايعته.

في أعقاب هزيمة الجيش العربي أمام القوات الفرنسية في معركة ميسلون ولما رجحت كفّة الفرنسيين واضطر فيصل الى أن يبرح دمشق في تموز من العام نفسه كان البطريرك غريغوريوس الوحيد الذي خرج لوداعه حفظًا للعهد وثباتًا على العقد.حيث قال له: “إنّ هذه اليد التي بايعتك ستبقى على العهد إلى الأبد”. فما كان من الملك فيصل سوى أن قبّلها باكيًا .

موقفه من السلطنة العثمانية

في زيارته للحكومة الروسية عرج إلى اسطنبول لمقابلة السلطان رشاد، فوجد، في مينائها، اليخت السلطاني ويخت البطريركية المسكونية بانتظاره لنقله إلى روسيا، وطبعًا، وبدون أيّ تردّد، صعد إلى اليخت السلطاني، إذ إنّه العربي من سكان سوريا، ومن رعايا السلطنة العثمانية، وعربونًا لتلك الزيارة منحه السلطان رشاد الوسام العثماني المرصّع.

دخل جمال باشا دار البطريركية على حصانه والشّر يتطاير فخاف الجمع، خرج إليه البطريرك وأدخله قاعة الاستقبال وبعد اللقاء قال جمال: “دخلت وفي جيبي أمر بنفيكم والإقامة الجبرية ولكني أخرج الآن وكلي احترام وإجلال لشخصكم الكريم، وعربونا أقدم لكم مسبحتي الشخصيّة وأرجو أن تتقبلوها مني”. ثم احترامًا خرج مشيًا إلى الشارع وامتطى حصانه هناك وانصرف.

مواقفه من الانتداب الفرنسي

شاب التوتر علاقات البطريرك غريغوريوس الرابع مع سلطات الانتداب الفرنسي في سورية ولبنان بسبب مواقفه المؤيدة لفيصل والرافضة للانتداب، وقام الفرنسيون بالتضييق عليه والتحريض ضده مما دفعه للإقامة في لبنان حتى وافته المنية في الثاني عشر من كانون الأول عام 1928 .

استغل الانتداب الفرنسي موته عام 1928 ليدقّ إسفينًا أسفر عن حصول انقسام في المجمع الأنطاكي المقدس أدّى إلى انتخاب بطريركين للكرسي الأنطاكي في آن واحد هما مطران اللاذقية السيد أرسانيوس (حداد) وقد انتُخِبَ في دير القديس جاورجيوس الحميراء البطريركي في وادي النصارى، ومطران طرابلس السيد الكسندروس (طحان) في المقر البطريركي بدمشق.

روحانيته: بكاء في حضرة القرآن

من القصص المؤثرة التي تدل على تسامحه وتأثره بالقرآن الكريم، أنّ شيخًا في طرابلس يدعى “محمد شميسم” وهو أحد حفظة القرآن الكريم، (كان شيخ قراء طرابلس)، وكان ضريرًا ورخيم الصوت، جاء يشكو لمطران طرابلس غريغوريوس أحد أبناء رعيته بديْن له عنده، فطيّب خاطره ووعده بتحصيل دينه شريطة أن يتلو على مسامعه سورة “مريم”. فلبّى الشيخ شميسم الطلب وتربّع متأدّباً وأخذ يتلو بصوته الجهوري الجميل السورة الكريمة حتى أنهاها… ويقول مرافق الشيخ الضرير أنّ دموع الخشوع أخذت تنهمر من عينيّ المطران على لحيته وتتساقط منها على صدره… وبعد أن انتهى الشيخ من التلاوة قام المطران  إلى غرفته الخاصة وأحضر المال المطلوب للشيخ شميسم ودفعه له”.

  وفاة “بطريرك النصارى وامام المسلمين”

شيع جثمان غريغوريوس الرابع حداد خمسون ألفًا من أهالي دمشق المسلمين والمسيحيين، من بينهم عدد كبير من شيوخ المسلمين، وقيل إنّ المسلمين أرادوا الصلاة عليه في الجامع الأموي الكبير لقرب مناقبه من الإسلام حتى إن الكثيرين أسموه محمد “غريغوريوس” و “أبو الفقراء والمسلمين”، فيما كانت الجماهير تصرخ: “مات أبو الفقير، بطريرك النصارى وإمام المسلمين”، وكان أحد التجار المسلمين يرشّ الملبس (على نعش البطريرك) وصاح بأعلى صوته: “هذا القديس أعالني أنا وأسرتي طيلة الحرب”.

أطلقت المدافع مئة طلقة وطلقة تحيةً للبطريرك الراحل، فيما رافق الموكب الجنائزي مئة فارس أرسلهم فيصل، بعد أن أصبح ملكًا على العراق.

وُري البطريرك غريغوريوس الرابع الثرى في المدافن البطريركية في الكاتدرائية المريمية بدمشق.

ختامًا إنّ أعمال هذا البطريرك تتحدّث بنفسها عنه، وتتكلّم عليه، وترسم شخصيته الفذّة المؤمنة بالله والأرض وخدمة ناسها. تكفيه هذه الشهادات لتؤكّد على دور الشخصيات الكبيرة التي تنبري في الأزمات للتخفيف والتضميد والمساعدة.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s