الشيخ محمد رشيد الميقاتي الكبير: حامي الأقليات ووائد الفتن

لا توجد تعليقات

ينشر هذا الموضوع بالتنسيق مع “لقاء الاحد الثقافي” الذي يضم نخبة من المثقفين في مدينة طرابلس وضواحيها، من ضمن سلسلة مواضيع يعمل عليها أعضاء اللقاء وتهدف الى إلقاء الضوء على شخصيات تمثل حقيقة التدين مضافا إليه العلم والعمل، في زمن ضاعت فيه قيم الدين والعلم.

لبنان عربي – الدكتور ماجد درويش

في زمن الفتن وضياع القيم يصبح استذكار سِيَرِ الأكابر أمرا لازما؛ وبخاصة أولائك الذين كانت لهم مواقف مشهودة قارعوا فيها الظلم، وواجهوا بعلمهم وعملهم الفتن، فكانوا دروعا تحَصَّنت بهم البلاد، ومنارات استرشد بضيائها العباد.

وفي هذا النص نتحدث عن شخصية تمثل حقيقة التدين الإسلامي، في الوقت الذي لا يعرف عنها الطرابلسيون الكثير، علما أنه كانت لها مواقف مهمة في تاريخ طرابلس الحديث.

هذه الشخصية هي:

الأستاذ الشهير، والقطب الكبير، والولي الصالح، الشيخ محمد رشيد الميقاتي، إمام الجامع الكبير المنصوري، والمؤقت المعتمد فيه لأوقات الصلاة، المولود سنة 1198هجري/ 1784م، والمتوفى سنة 1282هجري / 1868م، عن 84 سنة رحمه الله تعالى.

وقد وضع حفيده الشيخ محمد رشدي كتابا في مناقبه أسماه: (الأثر الحميد في مناقب سيدنا الأستاذ الشيخ محمد رشيد)؛ وطبع سنة 1341 هجري، أي منذ قرن من الزمن، ومن هذا الكتاب سوف أختار بعض مواقف الشيخ التي تخدم رسالة القيم الدينية الحقة، والإنسانية المطلقة.

والشيخ محمد رشيد الميقاتي الكبير هو جد مفتي طرابلس الأسبق الشيخ محمد رشيد الذي هو جد صديقنا الموسوعي المهندس لامع بن أنور ابن المفتي محمد رشيد بن علي ابن الأستاذ والولي الصالح محمد رشيد الميقاتي.

كتاب الاثر الحميد

 تناول كتاب (الأثر الحميد) أحداثا مهمة عاصرها الشيخ محمد رشيد رحمه الله تعالى، منها مجازر عام (1858 – 1860)، والتي تولدت عنها اعتداءات شنيعة ومذابح بين المسلمين المسيحيين والدروز في الشام.

 وفي محاولة للتعرف على أسباب هذه الفتنة نجد تحليلا لمؤرخ أمريكي هو (زاكري كارابل)   (Zachary Karabell)الذي وضع كتابا سنة 1960 بعنوان: (أهل الكتاب: التاريخ المنسي لعلاقة الإسلام بالغرب) ترجمه الدكتور أحمد إيبش، يذكر فيه أن ما حدث بين المسلمين والمسيحيين من مذابح كان شذوذا عن قاعدة التاريخ الإسلامي، وأن سبب هذا الشذوذ هو الغرب الذي تجاوز حدوده، أكثر من كون السبب هو العلاقات الإسلامية الداخلية.

حماية منازل المسيحيين

 وقد وقى الله تعالى طرابلس هذه الفتنة التي عمت بلاد الشام، لأن الشيخ محمد رشيد رحمه الله تعالى كان صِمَام أمانٍ للبلد، حيث منع العوام من التطاول على أهل طرابلس من المسيحيين «فصار يرسل أولاده لدور رؤساء المسيحيين ليلا، ويأمرهم بأن يسهر كل واحد منهم على طريق المناوبة عند كل واحد من أكابرهم، وجعل ذلك علانية على أعين الناس ليقتدوا بمسراه، ويقلدوه في مبداه، فما كان إلا أن خمدت في طرابلس شرارة أهل الشر بأجمعها، حتى إن الحكومة كانت تضم رأيها إلى رأيه”.

 كان الشيخ مطاعا مُهابا، لا يجترئ أحد على مخافته لما يعلمون من وفور عقله، وإصابة رأيه، بل ولعلمهم بولايته وكرامته عند ربه سبحانه وتعالى، حيث كان مستجاب الدعوة، فكان يبذل جاهه في خدمة العامة والمظلومين عند أرباب الدولة ووزرائها وقادتها الذين كانوا حريصين كل الحرص على الوقوف على رأيه الرشيد في المسائل الكبرى.

تاج الطريقة الصوفية الخَلوتية الذي ألبسه إياه شيخه القُصّيبي في مصر، وهي لا تزال محفوظة في عهدة المهندس لامع ميقاتي.

 وبعد وأْدِ الفتنة وإِخماد نارِها في دمشق وبيروت ولبنان، بين المسلمين والمسيحيين، جاء الوزير الشهير والقائد العام الخطير فؤاد باشا – وهو الذي أخمدت الفتنة على يديه، حيث أعدم من أعدم، ونفى من نفى – ومعه كثير من الوزراء، إلى طرابلس، فكان أول ما بدأوا به زيارة الشيخ والوقوف على خاطره ورأيه، والسبب في ذلك أنه عند وصوله طرابلس استقبله عموم الرؤساء من الطوائف المختلفة، وكانوا مجمعين على تقديم الثناء على ما قام به الشيخ رحمه الله من حمايتهم ودرء الفتن عنهم، فعظم الشيخ في عين الوزير، فزاره في داره برفقة رؤساء الطوائف، “وأظهروا له تمام الامتنان والمسرة منه، ثم قال له الباشا: هل انتقدت عليَّ في عمل قد صدر مني على طريق الخطأ من أعمالي في هذه السفرة لم يرق لديك يا شيخ رشيد؟ قال له: لو كنتُ محلك ما كنت فعلتُ إلا ما فعلتَه، وربما كنت أزيد على ذلك”، فعندها سُرَّ الباشا سرورا زائدا، واستأنس من نفسه عدم الخطأ في أعماله التي أجراها، ثم قال له: “أتأمر بشيء؟ ومقصد الوزير أن يقدم له شيئا خاصا، ولكن الشيخ رحمه الله ما كان يطلب لنفسه شيئا، وإنما يطلب دائما للناس،  قال الشيخ: لا، إلا أنه يوجد رجل منفيٌّ من مدينة عكا هو اليوم في جوارنا، أرجوك النظر عليه. ففي ثاني يوم أرسل الأمر بإطلاقه». فرجع الرجل مكرما إلى أهله في مدينة عكا بعد ان كان يئس من ذلك، بل وكان تيقن الهلاك بعيدا عن داره وأهله ولده. القناصل الأجنبية يكبرون مواقف الشيخ

حتى إن مواقف الشيخ في الفتنة لقيت استحسانا كبيرا من قناصل الدول الأجنبية، ومنهم القنصل الأمريكي الذي أهدى يومها لفؤاد باشا رسما لطرابلس رسمه بيده، صوَّر فيه المدينة روضةً غناء، وفي وسطها صورة شجرةِ وردٍ ذات أزرار، من بينها وردة مفتَّقة، وكتب فوقها اسم الشيخ رشيد، يشير بها إلى امتنان دولة أمريكا من مواقف الشيخ، معتبرا إياه زهرة طرابلس الفيحاء وخلاصة أهلها الأكارم.

   مشانق بربر  

 وكانت للشيخ محمد رشيد مونةٌ كبيرة على والي طرابلس بربر آغا، لأنه كان سببا في إرجاع إبراهيم باشا إياه إلى ولاية طرابلس بعد عزله عنها لمدة طويلة. فكان مع جبروته وتعسفه يحترم الشيخ رشيد الميقاتي كثيرا ولا يرد له طلبا.

 وفي أحد الأيام كان الشيخ خارجا من المسجد وقت الضحى، فرأى كوكبة من الجند تسوق مجموعة من أبناء (المنية) شمالي طرابلس، حكم عليهم ظلما الوالي بربر آغا بالإعدام شنقا. فسأل الشيخ عن قضيتهم، فتيقن بما لا يقبل الشك أنهم مظلومون، وأنهم مأخوذون بوشاية كاذبة. فما كان منه إلا ان أمر رئيس الشرطة بعدم التنفيذ، وذهب إلى بربر آغا، وكلمه فيهم، فكان هذا سببا في منع تنفيذ الحكم بهم، وإنقاذهم من حبل المشنقة.

 يقول الشيخ محمد رشدي الحفيد: «وقد كان المرحوم المبرور خليل أفندي الثمين الشهير يترنم بهذه الحادثة، ويقول: إذا لم يكن للشيخ رشيد عمل من الأعمال المقبولة عند الله تعالى إلا إنقاذ عشرة أشخاص من المسلمين من القتل والجور لكفى”.

هذا غيض من فيض مآثر هذا العَلَم الذي سطع نجمه في سماء طرابلس الشام،  فكان له، ولأمثاله من الأكابر، الفضل في جعل الحياة العامة في البلد ذات قيمة ومعنى، وبه وبأمثاله استحقت طرابلس الشام لقب: (مدينة العلم والعلماء)، لما بذلوه من جاههم وعلمهم في سبيل خدمة الناس؛ كلِّ الناس، عملا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (خير الناس أنفعهم للناس)، وهذه هي حقيقة العلم كما عبر عنه الإمام الشافعي بقوله: «ليس العلم ما حُفظ إنما العلم ما نَفَع”.

وعلى أمل أن يجود علينا الزمان بعلماء أمثاله، يئدون الفتن، ويقارعون الظلم، وينشرون بين الناس الخير والأمن والأمان.

* المصحف في الصورة الرئيسية هو المصحف الذي أوقفه أحد أبناء طرابلس الميسورين لغرفة الشيخ في الجامع المنصوري الكبير، وهو مخطوط يعود لأكثر من مئة وخمسين سنة، وقد توارثته ذرية الشيخ، وهو اليوم في عهدة الدكتور أحمد العلمي أحد أنسباء الشيخ من طريق والدته.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s