طرابلس…مدينة جبلت على دفع الاثمان

لا توجد تعليقات

 لبنان عربي – مصطفى العويك

لم تعد الأمور عصّية على الفهم. هناك متغيرات سياسية قادمة على لبنان، وكي يحقق أصحابها غايتهم، لا بد أن يستخدموا بريدا سياسيا فعالا، ولديه المقدرة الكبرى على توصيل الرسائل بأسرع وقت، ديليفري أمين ينفذ مهمته قبل ان يرتد للمرسل طرفه، وهل خبر أهل الرسائل السياسية ساعي بريد أسرع من الساحة الطرابلسية؟

يتكرر المشهد نفسه منذ سنوات: انتخابات رئاسية يسبقها التهابات رئوية في الجسد الطرابلسي، تشكيل حكومات لا يمر الا على جسد شاب طرابلسي أو أكثر، بيانات وزارية تكتب بدموع الامهات الطرابلسيات الثكالى، تصعيد سياسي أو طائفي بين الاحزاب يساوي اشتباكات ومناوشات بين اهالي الاحياء الطرابلسية او بينهم وبين الجيش والقوى الأمنية، حتى عندما دخل الارهاب الى المدينة ولفظته بسلاحها ولسانها وموقفها المدني والشرعي، خرج من يتهمها أنها قندهار وانها إمارة داعشية، كأن من طرد فتح الاسلام بصدره العاري قبل ان يصل الجيش يحتاج الى شهادة من سافل هنا ومنحط هناك…

والأخطر من هذا كله هو استمرار الكيد السياسي ضد المدينة للي ذراعها وجعلها بيئة غير آمنة للجيش اللبناني، هناك من يصر على ان المدينة لا يمكن ان تتصالح مع جيشها، ولا يجب لها ذلك، وعدم التصالح هذا مخطط له سياسيا الى حد المؤامرة، فالعلاقة الدائمة الالتباس بين ابناء المدينة والجيش تعني الامكانية الدائمة في توظيف المدينة لاغراض سياسية، واستخدامها بريدا سياسيا ساخنا ينقل الوجبات السياسية بسهولة ويسر، يكفي ان يوعز ضابط هنا او سياسي هناك وفي بعض الاحيان مخبر الى مخبر آخر ان يقدح شرارة طائفية او غيرها، لينفض أقرانه الغبار عن مظلومية باتت سردية مملة على رغم حقيقتها الفادحة، فتستنهض الارادات وتوجه المسيرات وتستثار العواطف ويبدأ بعدها اطلاق الرصاص الكلامي والمطاطي يليه الرصاص الحي الذي يستجر غضبا شعبيا عارما خاصة اذا سالت الدماء على الارض، وهذا كله يساعد في التذكير بمخططات داعش القديمة والمستجدة، وان الخلايا النائمة تجد ضالتها في هذا العبث، فيعاد السيناريو الأول: طرابلس ترفض الجيش، والدواعش تغلغلوا فيها، لذا علينا الضرب بيد من حديد لحفظ استقرار المدينة ومنعها من الخروج عن سلطة الدولة، ولكأن أفضال هذه الدولة ومشاريعها يرتديها الطرابلس كسوار ذهب في يده تحببا.

وبين كل هذا نبحث عن أصل الأمر، فاما تصل الرسالة كما يريد مرسلها فيتحقق مبتغاه، او تخرجها الوقائع عن مسارها فيذهب مسعاه سراب، والحالتان شهدتهما المدينة عبر السنوات الماضية، وتشهده حاليا، ودفعت فيهما أثمانا باهظة جدا من سمعتها ومكانتها ودورها واقتصادها بالاضافة طبعا لخسارتها العشرات من خيرة شبابها.

لماذا كل هذا الكلام اليوم؟

لأن السيناريو يستعاد بشكل فاضح، مجموعات تتحرك بإمرة عسكريين وحزبيين تسعى لاعادة الفيحاء الى ما كانت عليه في سنواتها العجاف السابقة. لكن الوقائع اليوم تنبئ بنتائج أكثر كارثية: عباءة الجوع تحوي تحتها شبابا ورجالا لا يفقهون سوى البحث عن رغيف خبزهم، والظلم الذي تثور الناس تحت مظلته يحول المتعاطف مع المظلوم الى ظالم بسبب التراكمات الكبيرة التي عاناها المظلوم وعاشها معه المتعاطف، وعدم قدرة الناس على شراء أساسياتهم لارتفاع سعر صرف الليرة، يجعل كل أساسيات الغير وكمالياته مباحة أمامهم، فهؤلاء يجندون عن غير علم في مخطط جهنمي لضرب المدينة من داخلها ولو انهم أبصروه لفضلوا الموت على خدمته، لكن على أعينهم غشاوة، وبصيرتهم تهاوت مع الايام، ولا سبيل أمامهم سوى ما يظنونه حقا لهم.

 فوق كل ذلك يأتي رجال هم في الاصل مشبوهون، وساذجون وتافهون بالشكل، لكنهم خبثاء منافقون منتفعون، ليقودوا الفقراء والمظلومين والمعدمين الى حيث يريد المشغل الامني او السياسي، فيكثر الهرج ويعم المرج، وتسود الفوضى، ويبدأ توظيف الاستثمار على قياس المستثمر، وكلما تعنت الطرف المقابل كلما استرخص المقاول السياسي شراء الدم الطرابلسي، ونقل فزاعاته الداعشية من حديقته الخاصة الى الساحة الطرابلسية ليضمن البيع بالسعر المناسب، وهو ما يتسرب في هذه الساعات من أن مجموعات داعشية قادمة من سوريا لنصرة الطرابلسيين وسواهم، فيدفع هؤلاء ثمن لاوعيهم الى الواعين من اهل السلطة والاحزاب، وتغرق المدينة في دوامة ما لبثت ان خرجت منها.

جبلت هذه المدينة على دفع الاثمان، وهي اليوم تتحضر لايفاء مستحقات لا شأن لها بها، وأهلها بين متفرج ومنظّر وغائب عن السمع، ومتحمس لكن حماسه مضبوط بقوت أهله.

فما الذي تنتظره بعد أكثر مما تعيشه؟

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s