“فوازير رمضان”… الطرابلسيّة

لا توجد تعليقات

لبنان عربي – طارق المبيض

 

اذا كان المصرف هو رمز الثروة، فإن مشهد طرابلس خلال ليالي رمضان الحزينة هذه السنة قد جمع الثروة والفقر في ساحةٍ واحدة.

هناك حول المستديرة التي اختلف الطربلسيون على تسميتها، فاصر فريقٌ على الاسم القديم “ساحة عبد الحميد كرامي”، ومال فريقٌ اخر لايثار اسم ساحة النور لوجود اسم الجلالة في وسطها، بينما بقيت تسميتها الشعبية “التمثال” في اشارة لتمثال الرحل عبد الحميد كرامي، هناك أجمعت المصارف اللبنانية التي تكاثرت في مرحلة التسعينات على استحداث فروعٍ لها تحيط الساحة من كل حدبٍ وصوب، لذلك فالاجتهادُ أن تُسمى ساحة المصارف التي تُخفي وراء جهتها الشرقية كثيراً من المآسي في الأحياء الشعبية، وتكثُرُ التعقيدات في فهم البنية والسلوك لذلك المجتمع الذي لا يطفو منه على السطح سوى جزء صغير، فيما هناك جبلٌ من الخبايا يسبحُ تحت السطح، حيث لا تصلُ كاميرات التلفزيونات، ويندر ان تتناوله الصحافة اللبنانية بشيء من الواقعية بعيداً عن التراجيديا التي كثرت في كتابات الناشطين والاعلاميين لا سيما الثوريين منهم بشأن كل ما يتعلق بطرابلس. 

يسوقُ محمد ابو سمرا في كتابه “طرابلس ساحة الله وميناء الحداثة” نظرية الباحث الاجتماعي ميشال سورا الذي زار طرابلس وبالتحديد التبانة خلال ثمانينيات القرن الماضي وعكف على دراسة البنية المجتمعية للأحياء الشعبية في مرحلة ما قبل سيطرة حركة التوحيد على المدينة. يذهبُ ميشال سورا في نظريته الى أنّ الأحياء الشعبية هذه غالباً ما كانت ملتقى العائلات النازحة من عكار والمنية والضنية الى المدينة في مراحل تاريخية متعددة بحثاً عن العمل.

في هذه الأحياء ما زال هناك شيءٌ منَ الريفِ يزحفُ بين أزقة المدينة، وهؤلاء الشبان الذين ولدوا في تلك المكعبات الاسمنتية الكثيفة ينخرطون في مرحلة مبكرة من حياتهم، وبفعل ندرة فرص العمل، وانعدام الخدمات فيما يسمى “مشيخة الشباب”، حيثُ يتقدّمُ أحد “القبضايات” لقيادة مجموعة من الشباب، يحدوه في ذلك أمران. قضيةٌ كبرى (استضعاف المسلمين في نواحي العالم، القضية الفلسطينية، …)، والأمر الثاني هو التمويل الذي يؤمنه متمولو وسياسيو المدينة لهذه المشيخة لتقديم بعض الخدمات الانتخابية وغيرها… وبين هذين الأمرين، تتبلور في ذهن ابناء الأحياء وبفعل الفقر والاحساس بالظلم، نظرية “الحارة الأمة” التي يشعر بموجبها الشاب بأن هذا الحي الذي يعيش فيه قادرٌ على تغيير المعادلات الدولية، ويرى من خلال شارعه والممرات الضيقة بين الأبنية أنه قادر على المساهمة في تغيير واقع الأمة الاسلامية. (ننقل باختصار عن محمد ابو سمرا، وميشال سورا بعيداً عن الحرفية، بغية الاختصار).

 من هنا، يمكننا أن نكشف شيئاً من المشهد الطرابلسي خلال الأيام الماضية، وتستحيلُ به الفوازيرُ التي تحاول المحطات التلفزيونية فكها، الى حقيقة يمكننا فهمها شيئاً ما.

 ليس من الأهمية بمكان ترجيحُ أيٍّ من النظريات التي تساق. أكان المشهد طبيعياً لاستفحال الازمة الاقتصادية التي يعيشها لبنان وبالتحديد طرابلس، او كان المشهد مصطنعاً ومدفوعاً سلفاً لاحداث تغييرات في المشهد السياسي اللبناني. المهم هو تفكيك وتحليل هذه البنية المجتمعية التي أفرزت ظاهرة حركة التوحيد في ثمانينيات القرن الماضي، ومن ثمّ الحركات الأصولية في مرحلة ما بعد هجمات الحادي عشر من ايلول، والجماعات المحسوبة على منظمات ارهابية، ومن بعدها انتفاضة 17 تشرين التي أفرزت ثورة طرابلسية فريدة، اجتمعت عليها بساحة عبد الحميد كرامي مكونات شتى، علمانية واسلامية، ونقلَت مفهوم الحارة الأمة الذي تحدث عنه ميشال سورا وتبناه محمد ابو سمرا خطوةً الى الأمام، في طريق “الحارة-الوطن”.

هذه الخطوة على بساطتها مهمة ويجب البناء عليها ضمن مسار طرابلسي طويل، بدأ فيه الباحثون عن لقمة عيشهم يجدون أنه لهم مكانا ما على هذه الرقعة التي تسمى لبنان. لا تقتلوا فيهم ذاك الأمل.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s