السنية السياسية… خطر المصطلح وخواء المضمون

لا توجد تعليقات

لبنان عربي – طارق المبيض

لا يجهدُ المُراقب للتاريخ السياسي للسنة في لبنان ملاحظة ابتعاد هذه الطائفة عن التأطر ضمن أحزاب منظمة. هذا الأمر ربما يعودُ الى مسارٍ تاريخي طويل شغل جزء منه مرحلة الدولة العثمانية حينما كان مذهب الدولة سنّياً وهذا ما خلق اطمئناناً نفسياً لدى ابناء هذه الطائفة ولا سيما في لبنان، وأبعدهم شيئاً ما عن ممارسة نشاط سياسي، او بناء اطار حزبي، بينما جنح ابناء بعض الطوائف الأخرى الى التأطير الحزبي (حتى وان لم يسمَّ كذلك) وتواصلوا مع الدول الاوروبية لتأمين الحماية والمصالح على حد سواء.

وحينما أفلَ نجم السلطنة عن هلال الشرق، وحلّ نجمُ الفرنسيين (رعاة مصالح الأقليات)، رفضَ السُنة الانضواء تحت لواء لبنان الكبير، واستمرت “ممانعتهم” قريباً من عشرينَ سنة، حتى تاريخ ترشح الشيخ الجسر لرئاسة الجمهورية سنة 1934 وما استتبعه ذلك من تعليق الحياة السياسية. ولكن الحق يقال انه في تلك المرحلة وما سبقها وما لحقها، وحتى يومنا هذا لم يتأطر السنة ضمن أحزاب منظمة، وفشلت كل محاولات خلق “سنية سياسية لبنانية” رغم ترداد العبارة بشكل كبير عبر وسائل الاعلام.

وهنا غنيٌّ عن القول أن ابناء هذه الطائفة لم يخوضوا الحرب الاهلية ضمن أحزاب طائفية بحتة، بل ضمن حركة وطنية كان عنوانها فلسطين والوحدة العربية والتحرر والتحرير، بل وربما كانت النخب في هذه الطائفة تقرّظ وتنتقد طرح الجبهة اللبنانية “الانعزالي” على اعتباره نهجاً رجعياً لا يمكن أن يبني دولة. في لقاء مع إحدى الشخصيات السنية الطامحة قبيل الانتخابات النيابية سنة 2018 وحين سؤاله عن استراتيجيته السياسية، أجاب انه في صدد انشاء تيار سياسي. بادرته حينها بالاستفهام: هل هو تيار ام حزب؟ فكانت الاجابة: “نحن في البيئة السنية لم تنجح معنا تجربة الأحزاب، بل التيارات التي تحاكي موقفاً معيناً وتناضل من اجل قضية مرحلية”. 

هذا الطرح فيه شيء من الواقعية، فما يشاع عن “سنية سياسية” مثلها آل الحريري في السلطة، يجافي الواقع شيئاً كثيراً، وهي وان كانت قريبة في عهد الرئيس رفيق الحريري، فإنها أصبحت ابعد من النجوم في عهد نجله سعد، ذلك أن الحريري الأب وبفعل الرعاية السعودية السخية له، والموازين الاقليمية التي أبقته على رأس السلطة التنفيذية في لبنان أكثر من 13 سنة، استطاع ان يبني شبكة من الخدمات المرتبطة به، بدايةً مع المنح التعليمية، مروراً بالخدمات الاجتماعية والصحية، وصولاً الى الهالة الاعلامية التي خلقتها امبراطوريته المترامية من الصحف الورقية الثلاث (المستقبل-الشرق-اللواء) واذاعة الشرق وتلفزيون المستقبل. هذا جميعه ربما في لحظةٍ معينة أوجد ما يسمى بـ “زعامة سنية”، ولكن غير مستدامة بطبيعة الحال.

وهذا ما اكدته مرحلة ما بعد اغتيال الرئيس الحريري، حيثُ استهلك نجله سعد في خلال أقل من خمسة اعوام كل ما بناء الأب على مدى خمسة عشر سنة. فتوقفت المنح المدرسية والجامعية بشكل كامل، وكذلك الخدمات الاجتماعية، وتوقف الدعم الحريري لجمعيات سنية عريقة لديها حيثيتها في بيئتها، كما أوقفت المستوصفات الخيرية التي أنشأها رفيق، وأقفلت الوسائل الاعلامية التي كانت تروج للنهج تباعاً وحرم الموظفون فيها وهما بالالاف من مستحقاتهم، وتحوّل الوريث الى نهجٍ اخر في رواق السياسة اللبنانية، هذا النهج يتمثل في سياسة “الشيخ والخيمة”، حيث يعطي الشيخ من يتقرب اليه صرة من مال دون أن يقوم بعدها، في وقتٍ ربما يعجز هذا الشيخ عن دفع مستحقات من يعمل عنده. ربما لا يُلام سعد الحريري بسياسته تلك. فقد يُصِمُّ التصفيق العميق الأذن عن سماع المشورة الصادقة، وربما تعمي كلمات الثناء المتكلفة الأعين عن رؤية المسار الصحيح، بل وربما كان سعد ابن بيئته، فهو الذي تربى في قصور الخليج، ربما اعتاد على العطاء دون السؤال، واعتقد لوهلة أن من يملك المال ليس بحاجة لمؤسسات ومستوصفات وتقديمات ليحافظ على أنصاره، بل يكتفي بالعطاء مرة كل اربع سنوات حين المناسبات الانتخابية. 

أضف إلى ذلك أن الشخصيات السنية في مرحلة ما قبل الطائف وما بعده لم تستعمل هذا المصطلح من الرئيس رشيد كرامي مرورا بسليم الحص وعمر كرامي ونجيب ميقاتي، جميعها أعرضت عن تلك التسمية، وفضلت في مجالسها الضيقة والواسعة دوماً عبارة “ام الصبي” في إشارة إلى الترفع عن التحزب السياسي بنكهة طائفية. 

اذاً، ليس هناك من سنية سياسية بالأصل، ليكون هناك تهديدٌ لها. هذه السنية سقطت يومَ 14 شباط عند الساعة الواحدة الا خمس دقائق بتوقيت بيروت، ودفنت مع صاحبها الى جانب مسجد محمد الأمين، وما يحكى عنها ليس الا رجع صدى. ليس الا خيالات في رؤوس أصحابها، او أساطير تحكى على منابر دار الفتوى لاستثارة العصب الطائفي، لدى جمهور أصيبَ بارتخاءِ في جهازه العصبي، جراء اعتياده على الكدمات التي أصابته على مدى الخمسة عشر سنة الماضية.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s