لماذا علينا ان نتقفى أثر الدول الاسكندنافية؟

لا توجد تعليقات

لبنان عربي – سامر الحجار

تواجه الدول تحديات اجتماعية واقتصادية هائلة: مفهوم العدالة الاجتماعية يغيب، التماسك داخل المجتمعات يضعف. وكما تظهر المظاهرات من بيروت الى بغداد الى باريس الى هونغ كونغ، فإن الثقة بالأنظمة السياسية والاقتصادية آخذة في الانخفاض. وفي البحث عن الحلول، يسأل العديد عن الأنظمة الفضلى التي تنمّي الابداع، وريادة الأعمال وبالوقت نفسه تحمي المواطن، وتؤمن بالمساواة.

وهذه المواصفات نجدها في بلدان الشمال الأوروبي، كالدانمرك وفنلندا وأيسلندا والسويد، حيث تظهر كتجربة فريدة في العالم. هذه التجربة، النموذج، تحتوي على العناصر الأساسية لدولة الرفاهية: التعليم المجاني والعالي الجودة، الرعاية الصحية، الرعاية الاجتماعية، والإسكان الميسور التكلفة، كما يشمل النموذج الاجتماعي والاقتصادي أيضاً نهجاً إزاء أسواق العمل يعرف باسم “المرونة”، ويشير تقلص مصطلح “المرونة” و”الأمن” إلى المزايا الرئيسية للنظام بالنسبة لأصحاب العمل والموظفين.

فالمرونة تعني أن أرباب العمل يمكنهم تقليص حجمهم بسرعة إذا تغيرت ظروف السوق. والأمن الذي توفره الحكومة، والذي يستخدم الضرائب لضمان إعانات البطالة، يعني أن الموظفين يمكنهم التغلب على مثل هذه التغييرات.

بالإضافة الى هذا فللدول المذكورة ميزة أخرى يعبّر عنها  بـ”القومية البناءة”، ولا تُشير هذه القومية الى مكان الولادة أو لون البشرة، بل الى مساهمات المرء في رفاه المجتمع، فأن تكون دنماركياً أو فنلندياً أو نرويجياً أو سويدياً فذلك يعني أن تتحلى بالقيم الاجتماعية الإيجابية، كما تركز الوطنية في بلدان الشمال الأوروبي على الالتزام بنموذج اجتماعي واقتصادي يعزز الثقة بين المواطنين والقطاع الخاص والحكومة، يحفز الأفراد على تقديم مساهمات  سواء كانت مالية أو في اختيارهم للعمل المهني والتطوعي  لرفاه المجتمع ككل. إن الثقة التي يتمتع بها المواطنون في بلدان الشمال الأوروبي تجاه بعضهم البعض، والهوية الوطنية المشتركة التي تقوم عليها تلك الثقة، تجلب مزايا قوية، فهي تسمح للحكومات والنقابات والشركات بالعمل بشكل تعاوني بدلاً من أن تكون خصما، وتضمن أن الحكومات تخضع لمعايير عالية من النزاهة والشفافية، وبالتالي تقديم خدمات فعالة بما في ذلك نظم الرعاية الصحية ذات المستوى العالمي التي هي أقل تكلفة بكثير من تلك الموجودة في البلدان المتقدمة الأخرى.

وقد أدى هذا المزيج الخاص من العناصر، بمساعدة الاتجاهات الاقتصادية الإيجابية، إلى وضع نموذج اجتماعي وإداري يوفق بين النمو والدينامية والمساواة والسلام الاجتماعي.

وهناك سمة أخرى للنموذج الاجتماعي والاقتصادي لبلدان الشمال الأوروبي تتمثل بـ”التجارة الحرة والمنافسة”. فقد سمحت هذه السياسة للشركات وأصحاب المشاريع في بلدان الشمال الأوروبي بالمنافسة في الأسواق العالمية مع الترحيب بالواردات الأجنبية، مما جعل  اقتصادات هذه الدول، من أكثر الاقتصادات انفتاحا وقدرة على المنافسة في العالم.

ومن نتائج هذا النهج في التعامل مع التجارة الحرة أن بلدان الشمال الأوروبي شهدت انخفاضات ملحوظة في بعض القطاعات: فقد كانت الدنمارك، على سبيل المثال، ساحة لبناء السفن في العالم، ولكنها تراجعت عن هذا المركز للمنافسين في الصين وتركيا وكوريا الجنوبية، الذين يمكنهم بناء السفن بتكلفة أقل كثيراً بفضل مزيج من انخفاض الأجور ودعم الدولة. ولكن الشركات الدنماركية لم ترد على ذلك من خلال الدعوة إلى فرض رسوم جمركية أو خفض الأجور لموظفيها، بل بدلاً من ذلك اندفعت نحو المزيد من التخصصية  والارتقاء بسلسلة القيمة.

والشركات، من جانبها، في هذا النموذج، حرة في متابعة أحدث التقنيات وتحسين القوى العاملة لديها حتى عندما تتندمج الشركات المحلية مع شركات أجنبية.. ففولفو، الشركة السويدية لصناعة السيارات التي تملكها شركة جيلي الصينية، على سبيل المثال، لم تكتف بالاحتفاظ بمكتبها الرئيسي وتطوير المنتجات والتسويق والوظائف الإدارية في مقرها في غوتنبرغ، بل إنها لا تزال تنتج السيارات والمحركات والمكونات في السويد.

كما أن صيغة الشمال الأوروبي للقومية كانت مفيدة كلما دعت التغيرات الاقتصادية الكلية والتكنولوجية إلى التكيف الاجتماعي والاقتصادي، ما وضع هذه البلدان في طليعة الثورة الصناعية الرابعة، التي أدخلت الروبوتات عالية التقنية، والذكاء الاصطناعي، والطباعة ثلاثية الأبعاد، وغيرها من الابتكارات الى السوق.

لذلك  فإن هذا النموذج من الدول يحمل في طياته دروسا هامة لبقية دول العالم اذا أرادت أن تتقدم بخطى ثابتة الى الامام، وما احوجنا في لبنان والدول العربية الى دراسة هذا النموذج  وتمحيصه، والتأسي بهذه التجربة الكفيلة ان تمنحنا دولا تستحق احترام شعوبها، خاصة انها صمدت أمام اختبار الزمن في عصر العولمة في القرن الحادي والعشرين.. فعلينا أولا بناء الثقة بين المواطنين، وتعزيز الدينامية الاقتصادية والمنافسة مع ضمان أمن العمال والدفاع ضد الحمائية والانعزالية. كما علينا فتح الأسواق، والابقاء على ما يكفي من الضرائب لتوفير الخدمات الحكومية الفعالة وتمويل دولة الرفاهية.

 باختصار، يقدم نموذج بلدان الشمال الأوروبي رسالة مفعمة بالأمل  للدولة المضطربة.  لقد شهد الغرب فشل الرأسمالية غير المنظمة في السوق وحالات الكساد الكبير. وفي الشرق لاحظنا التجربة السوفيتية مع الشيوعية: اقتصاد القيادة المركزية التي تديرها دولة بوليسية، والتي فرضت إلغاء حقوق الإنسان والديمقراطية وسيادة القانون. اليوم الأجدى هو رفض كل من هذين  النموذجين،  واتباع نهج الشمال الاوروبي، عبر اتباع نظام السوق التنافسي الذي يضع الأسواق تحت رقابة ديمقراطية صارمة لتجنب تشوهات السوق (الاحتكارات، والطفرات والكساد، والتركيز الشديد للثروة). وان نصر على توفير التعليم العام والرعاية الصحية والمرافق العامة (الطاقة والمياه والنقل العام، وما إلى ذلك)، حتى نكون أمام مجتمع  تكون فيه المساواة في الدخل والثروة أفضل مما هي عليه الآن.

فهل يمكننا ذلك وما المعوقات التي تحول دون تحقيق وتطبيق هذا النموذج في بلادنا؟

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s