يورغ سورنسون…”إعادة النظر بالنظام الدولي الجديد” أم محاكمة الليبرالية؟

لا توجد تعليقات

مصطفى العويك

بدا المشهد الدولي حتى قبل ظهور جائحة كورونا، مربكا وضبابيا، مجتمع دولي عاجز عن حل الصراعات العسكرية في الدول النامية، دول تتورط في الحروب، وأخرى تسابق الزمن اقتصاديا وانمائيا بهدف اللحاق بركب الحداثة من منظورها الخاص، دول تنساق حكوماتها نحو شعبوية تعيد الأولوية لعصبيتها الوطنية والعرقية، مسجلة تراجعا ملحوظا على الساحة الدولية، وسجالات سياسية واقتصادية بين الدول الاعضاء في الاتحاد الاوروبي مع تسجيل خروج انكلترا منه، وممارسة الولايات المتحدة الاميركية  لدور الوصي على العالم بحكوماته وشعوبه…

كل هذه المشاهد والاحداث التي لها بالغ التأثير في النظام الدولي، حتمت على الباحثين في العلاقات الدولية، تمحيصها ودراستها والتعمق في مصيرها، ومحاولة البحث عن إضاءات ضرورية حول مصير النظام العالمي الحالي، وامكانية توليد نظام عالمي جديد يكون أكثر انتاجية ونفعا للمجتمعات.

في هذا السياق أتى كتاب: “إعادة النظر في النظام الدولي الجديد”، للكاتب الدانماركي والباحث في شؤون العلاقات الدولية “يورغ سورنسون”، الصادر عام 2016، والذي ترجمه مؤخرا الى العربية مطلع السنة الحالية المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت عن طريق أسامة الغزولي.

الكتاب الذي قدم له البروفيسور مايكل كوكس مدير مركز أبحاث “آيدياز” التالبع لكلية لندن للاقتصاد، ويقع في تسعة فصول، يعتمد فيه سورنسون على نظرية “التحليل التعددي” للنظام الدولي، لتبيان وجهة نظر كل من الرؤية الليبرالية المتفائلة بـ”إنتصار ايديولوجي لليبرالية”، يجنح معها النظام الدولي الحالي نحو مزيد من التعاون والتضامن، والرؤية الواقعية المشككة والقائلة بـ”حتمية الحرب والفوضى” بين الدول في ظل النظام القائم. 

حاول سورنسون أن يوائم في تحليله المكثف بين هاتين الرؤيتين، فأقر بصوابية كل منهما لكنه لفت النظر الى ضرورة تبني طرائق جديدة في تدبر احوال العالم على نحو يأخذ بعين الاعتبار ما هو إنساني، والحاجة الى حماية الفرد من أخطار عديدة لها تأثير مباشر في الحياة الفردية كالفقر وغياب العدالة الاجتماعية والتدهور البيئي، والنظم السياسية التي لا تعترف بحقوق الإنسان، فهذه منطلقات لا يمكن اغفالها عند الحديث عن النظام الدولي الحالي او ذاك الذي يظن البعض انه يتشكل في الأفق.

ولذلك استعرض في الفصل الأول “الجدل حول النظام الدولي بعد الحرب الباردة”، وجهات النظر المختلفة حول النظام الدولي في مرحلة ما بعد انتهاء الثنائية القطبية وانتصار الليبرالية. فإنتصار الليبرالية فتح الباب أمام “إتساع النظام الليبرالي ليشمل الكوكب”، وهو ما تعنيه  “نهاية التاريخ” لفوكوياما، اي عالمية الديمقراطية الغربية الليبرالية كشكل نهائي للحكم. مع ما يرافق ذلك من الإعتماد المتبادل الإقتصادي وغير الإقتصادي بين الدول والذي سيعزز التعاون والتضامن بينها، انطلاقا من رؤية فوكوياما أن “تقدم الليبرالية حتمي لا يمكن لعائق ان يوقفه”!

لكن سورنسون يشير الى عكس ذلك في القرن الجديد حيث ظهر “ان الانتقال الى الديمقراطية كان انفتاحا مرتبكا اكثر منه تحولا حقيقيا في النظام السياسي”، وبقيت اغلبية الدول شبه سلطوية او شبه ديمقراطية. و”كان الالتزام بالمبادئ الليبرالية سطحيا، مجرد مجموعة من الإيماءات البلاغية التي تخلو من قيمة حقيقة تركن اليها”، لذلك  “ليس بوسعنا الاطمئنان الى فكرة ليبرالية تقول بتقدم لا يقف بوجهه عائق، فالمجتمع لا يتقدم الى الامام بكل الاحوال”، فالتقدم الليبرالي ممكن لكن الرؤية الليبرالية القائمة على تقدم مؤكد وآمن بعد نهاية الحرب الباردة ليست بالدليل المناسب الى تقييم النظام الدولي الحالي.

أما بالنسبة للواقعيين فاعتبروا أنه وبعد انتهاء الثنائية القطبية، “نحن امام نظام عالمي فوضوي، يفتقد سلطة واسعة النفوذ ولا وجود لحكومة عالمية”، وفي نظام كهذا يتعين ان تتحمل الدول مسؤولية أمنها وهي تعيش على الدوام في ظل أخطار ممكنة لأن الدول قد تكون لديها نوايا شريرة.

وعلى الرغم من اقرار بعض هؤلاء ان التنافس بين القوى او حتى الصراعات العنيفة بين الحلفاء الغربيين، ليست امرا واردا، “الا انهم على رأيهم بان اخطار المواجهة العنيفة باقية في اجزاء أخرى من النظام الدولي”، وهو ما طرحه صمويل هنتنغتون في “صراع الحضارات” حيث ان الصراع في المستقبل سيكون بين الدول الغربية وبين الدول المسلمة والصين، لأن أغلبية القوى العظمى في مرحلة ما بعد الحرب الباردة تنتمي الى حضارات مختلفة. و”يركز الواقعيون الان على التنافس والتباري بين الغرب والقوى العظمى الناشئة غير الليبرالية خاصة روسيا والصين”.

انطلاقا من كل هذا وضع سورنسون كتابه وحاجج كل من المتفائلين والواقعيين في وجهات نظرهم حول النظام الدولي، منطلقا من تشخيص دقيق للواقع الذي نعيشه.

كل الدول تعاني من الهشاشة

والتشخيص الدقيق حتّم عليه التعرض الى التطورات الداخلية لثلاثة أنماط من الدول يتشكل منها النظام الدولي الحالي:

1- الدول الليبرالية المتقدمة، في طليعتها الولايات المتحدة الاميركية والدول الاوروبية، وهي الدول التي تسير بركب العولمة النيوليبرالية، حققت نموا اقتصاديا هائلا وانتجت نظاما متفاوت الرفاهية بين الدول، وسجلت تراجعا في التماسك الاجتماعي – السياسي.

2- الدول على طريق التحديث: وهي دول تسجل تقدما كبيرا على طريق التنمية الاقتصادية، الا انها تعاني من هشاشة كبرى، كالصين التي تسجل معدلات فساد مرتفعة، وهي وان كانت “الدولة القائدة بين الدول على طريق التحديث لكنها لن تكون لاعبا رئيسا في تشييد نظام دولي”، وعليها ان تلتفت الى مشاكلها الداخلية.

أما الهند فهي مجرد لاعب اقليمي وليست لاعبا عالميا لذا لن يكون لها دور في تشييد نظام عالمي جديد، وروسيا ايضا لديها مشكلاتها التي ستدفعها الى ايلائها اهتماما اكبر.

وهذه الدول تمارس “دورا دوليا متناميا لكنه على نحو ملتبس: تشترك في النظام القائم لكنها مصدر تحد له”.

3- الدول الهشة جنوب الكوكب: الدول التي كانت تخضع للاستعمار والاحتلال وهي تعاني من شبه غياب للحوكمة، ومؤسساتها فاسدة وولاءاتها اثنية طائفية اكثر ما هي وطنية، وهذه الدول تعتبر بمثابة “مشكلات تعترض تشييد نظام دولي فعال”.

يذكر سورنسون كل ذلك ليقول انه من المحتم ان يترتب على الشروط الداخلية في الدول ذات السيادة أعمق الاثر على مستقبل النظام الدولي.

تراجع خطر الحرب بين الدول؟

وينتقل ليعالج في الفصل الثالث مسألة تراجع خطر الحرب بين الدول، وليؤكد ان الدول تتغير، وان ما يحتم الحرب بين الدول هما الفوضى ومعضلة الأمن، وهذه” بنى تاريخية لا تنشط على نحو يفضي الى حرب الا تحت شروط معينة”. وحتى عندما يكون هناك فوض في ظل عدم وجود حكومة عالمية (رد على الواقعيين) يبقى  في وسع الدول ان تتصادق وتتعايش في سلام في مجتمعات امنية. ويشير الى ان الدول على طريق التحديث يشملها السلام لانها تحترم عرف التكامل الاقليمي، ولانها منخرطة بقوة في الشبكات الدولية للاعتماد الاقتصادي المتبادل…لذا هناك سلام لا يمكن ان ينفرط عقده، يقوم على اعراف دولية وتعاون مؤسسي وتكامل اقتصادي.

على الامن الانساني ان يتقدم على الانشغالات الامنية

في الفصل الرابع يتصدى للشرط الاطاري الثالث في دراسة النظام الدولي الحالي: “توزيعات القوة والنظام الدولي”، إنطلاقا من ثابتة مفادها ان استقرار النظام الدولي وفاعليته يحتاجان الى اسناد من العوامل الاقتصادية والعسكرية وغيرها من اشكال القوة، وفيه ان الواقعيين يميلون الى القول بتركيز كلي للقوة، بينما يذهب المتفائلون الليبراليون للقول بإنتشار كلي للقوة. 

ويحاجج سورنسون كل من النظريتين ليخرج بالخلاصة التالية: “الولايات المتحدة متقدمة على ما عداها، من ناحية الموارد المادية وغير المادية للقوة، لكن هذا لا يترجم الىسيطرة على اللاعبين الاخرين. وتبقى الولايات المتحدة والديمقراطيات الغربية المعترف بها، قوية لكنها لم تعد تستطيع فرض ادارتها على العالم الا بموافقة وبمساندة فعالة في معظم الاحوال من قوى أخرى”، ولذلك هي الاقدر على السير نحو نظام دولي “فعال مستقر ومشروع”.

في الفصل الخامس تحت عنوان “الأمن: التدخل والنظام والمشروعية”، يرى يورغ أن الشواغل الامنية التقليدية لا تزال تحتل حيزا واسعا من اهتمامات الحكومات، لكن يبقى أن الأمن الانساني أهم، لأن الدول الغنية والفقيرة على حد سواء، يحكم عليها، الان وتتأثر مشروعيتها الداخلية والخارجية، بمدى قدرتها واستعدادها للعناية بالسلامة العامة للسكان. وبرأيه اننا امام “حوكمة أمنية بالاجزاء”، لم تتوصل الى حلول للقضايا الامنية التقليدية، كما انها فشلت في التعامل مع الصراعات في الشرق الاوسط والدول الهشة، والملف الروسي الاوكراني، لذلك فانه لا وجود لنظام أمني مستقر وفعال قائم على قدر كاف من المقوة والمشروعية، ما يعني أننا نسير باتجاه سناريو واقعي يتفاقم فيه التأزم ويغيب عنه الاستقرار.

ويفند سورنسون في الفصل السادس من كتابه الخواص الرئيسية للعولمة الاقتصادية وتقييم تأُثيراتها في النظام الدولي، فاليبراليون يؤكدون ان العولمة الاقتصادية تعزز التعاون الوثيق والسلام بين الدول، وهي تدفع نحو تلاق عام يجعل الجميع في أمس الحاجة الى التنظير لـ”عالم واحد”. الا انه يوضح ان العولمة الاقتصادية ومعها التنمية الرأسمالية لا يحدّثان على نحو مماثل في كل الدول، بل يعزز الانتقال الى الرأسمالية والاتخراط الكثيف في العولمة، التوترات المحلية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.

العالم يحتاج لحوكمة أكثر عمقا

وفي إطار تحليله لدور المؤسسات العالمية في النظام الدولي القائم، في الفصل السابع، وهل نحن أمام حوكمة أو جمود؟، يرى ان مقدار الحوكمة العالمية تنامى وهو ما شهدناه في تنامي العلاقات بين الدول، لكن هل يشكل هذا قدرا كافيا من الحوكمة؟ لا شك ان الازمة المالية التي حدثت عام 2008 عولجت آثارها الفورية على نحو ناجح، ويناهض النظام الدولي التحول المناخي بمبادرات متنوعة، واستجاب النظام للتحديات الامنية التي سببتها الدول الهشة ما أظهر نظاما مسؤولا عن حماية اتباعه، الا ان المشككين يرفضون ذلك معتبرين ان هناك جمودا يلف المؤسسات الدولية، والحوكمة التي يؤكد المتفائلون انها جيدة لا تتجاوز كونها نشاطا متشظيا وغير متناسق وقصير الامد لا يؤمن سوى ادارة أزمة في حين تلوح في الافق أزمات جديدة. والموضوع يتطلب وفقا سورنسون حوكمة أكثر عمقا لتواجه التحديات.

 بعد ذلك يستعرض الكاتب “القِيم: انتصار الليبرالية او أزمتها”، فيعتبر ان النظم الليبرالية الراسخة تواجه تحديات ديمقراطية جديدة، وان علاقة مركبة تحكم العلاقة بين القيم المحلية والقيم الحاكمة للعلاقات بين الدول، ويرى ان النظام الدولي الحالي يتميز بقيمتين ليبراليتين هما: الاستقلال والاعتماد المتبادل، وهو ما اندمجت عبرهما روسيا والصين في الاقتصاد العالمي، في الوقت الذي تعيش فيه اميركا مشكلات اقتصادية وسياسية داخلية متزايدة، جعلت البعض يقترح استراتيجية اميركية جديدة عنوانها: “اميركا المستقلة”، وهي تعني مزيدا من الاستقلالية وابتعادا عن الاعتماد المتبادل الاقتصادي وغير الاقتصادي. ولقد كان الاتحاد الاوروبي ميالا اكثر الى فكرة الاعتماد المتبادل الا انه اتضح ان هذه السياسة بالغة الكلفة وقليلة الجدوى، لذلك فإن اجندة الاتحاد في المدى المنظور ستعمل على الحد من اشكال الاعتماد المتبادل، وهو ما أكدته جائحة كورونا.

يقدم سورنسون طرحا تحليليا جديدا في هذا الكتاب، ويذهب للقول ان تحليلا موضوعيا للنظام الدولي يجب ان ينطلق من كل العناصر المكونة له او تلك التي تؤثر فيه، من الامن الانساني الى الارهاب والمنظمات الدولية والبيئة وصولا بطبيعة الحال الى التبادل الاقتصادي الذي يعتبر عماد النظام الحالي برأسماليته التي تعاني من تأزمات جمّة، فأي سيناريو هو أقرب للإنتصار؟ المتفائلون الليبراليون على الرغم من كل ما رتبته الرأسالمية والعولمة الاقتصادية من تحديات جوهرية على الدول ذات السيادة؟ أو الواقعيون الذين يرون ان التاريخ يتكرر وان الفوضى محور اي نظام دولي لأن الدول تتسم دائما بالشر؟

التحذير من انتصار المتفائلين الليبراليين؟

الكتاب لا يطرح جوابا، فهو يؤيد هذه في نقاط معينة وتلك في نقاط أخرى، و”المستقبل لم يتحدد بعد”، ولا احد يعلم الى اين نمضي، وكل ما تتوقعه ربما يصار الى حدوث عكسه، وسورنسون يتوجس صراحة من انتصار المتفائلين لأنه سيكون انتصارا فادح الثمن مثقل بمشكلات تجعله قريبا من الهزيمة، كما ان “العولمة تقوّض الديمقراطية لانها تجعل الحكومات الوطنية اقل قدرة على السيطرة على ما يحدث داخل حدودها”، الا انه يقر ان تقدم الليبرالية هو ما جعل الحرب بين الدول أمرا مستبعدا في النظام الدولي، الا انه يدعوها الى التخلي عن فكرة التقدم الذي لا يعوقه عائق، وان المجتمعات لا بد ان تمضي نحو الصعود، وان على الليبراليين الاقرار ان النموذج الليبرالي السياسي والاقتصادي ليس صيغة ثابتة بل مجموعة من المبادئ تتطور وتتحول وقد لا تكون متناغمة على الدوام. كما على الواقعيين التخلي عن ان التاريخ ليس سوى اشياء لعينة بذاتها يتكرر حدوثها، كما عليهم ان يخرجوا من فكرة ان الحرب مخيمة على الدوام في افق عالمنا الفوضوي، وان يأخذوا بعين الاعتبار الاحوال الداخلية للدول ليس فقط الظروف الدولية المتصلة بالنظام الدولي.

يبدو سورنسون في معرض تحليلاته الواقعية والموضوعية كمن يدين الليبرالية والعولمة الاقتصادية، من خلال كشف الفجوات الكبيرة التي خلفاها على مستوى النظام الدولي وحتى داخل الدول ذات السيادة، وهي ادانة في موقعها خاصة اذا ما أسقطناها على ما كشفته أزمة كورونا من هشاشة الدول الحديثة على وجه الخصوص، ومن تراجع لمبدأ التضامن الدولي لصالح الإنكفاء الوطني، وهو ما شأنه أن يضعنا أمام تحديات كبيرة تواجه النظام الدولي الحالي ومصيره، وأسئلة عميقة عن شكل النظام المنتظر بعد كورونا.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s