رسالة كورونا…وصلت

لا توجد تعليقات

لبنان عربي –  صالح حامد

فيروس كورونا غَرَفَ لنا من قاع البحرعُيوبَنا، وَجرَّدَنا من درُوعنا الواهية، فكشفَ ضَعفَ البشرية، التي ظنَّتْ أنها إذا ارتادتِ الفضاءَ ودخلتْ سباقَ التسلحِ النووي وبنتْ الترسانات  سَتخْرُقُ الأرضَ وتَبلُغُ الجبالَ طُولاً، لكن الفيروس باغتَ الجميعَ ما لم يكونوا يَحتسِبون.

فيروس كورونا أحدثَ صدْمةً ورجفةً وزلزالاً صدّعَ الحياة اليومية وأطفأ محركاتِها، فَحرَمَ قادةَ العالَمِ شعورَ السلطةِ المطلقة، إذ قالوا يوماً مَن أشدُّ منّا قوَّةً وبطشاً؟

فالجميع اليوم في خوفٍ شديدٍ، ووضعَ عِلْيةَ القومِ في الحَجْر والحَجز، ودعا كبيرهم إلى الصلاة والدعاء لرفع الفيروس البلاء.

هذا الكائن الذي لا تلتقطه آلة النظر أجبرنا على إغلاقِ الحدود وعزلِ المدنِ وحَظرَ التجوالَ وبدّلَ الأحوالَ والعادات، وعطّلَ السياحةَ وأخواتِها وخلَتِ الشوراعُ والساحاتُ من روادها، حتى صارت مدنٌ بكافة أحيائها مرتعٌ للأشباح، وبسببه نشيّع اليومَ الأبَ وغداً الابْنَ وبعده الحبيبَ والصديقَ والجارَ العزيز، والعائلة في الإقامة الجبرية كرهاً وهَلَعاً لا طَوعاً، والحصارُ لفَّ عُنُقَ  القاراتِ حتى ضاقتِ الأرضُ بما رَحُبَتْ على سكّانها، وكأننا أمامَ مشاهدَ من صُوَر يوم القيامة بانتظارِ النِّداء: لِمَنِ المُلْكُ اليومَ…؟ حتى يعلم الذين ممَّن أُوتُوا العلمَ والقوّةَ أنَّ الإنسانَ ضعيفٌ مهما بلغ من العلم والمعرفة.

ولعلَّ من إحدى فوائدِ مُخْرَجاتِ كورونا عودةُ أفرادِ الأسرةِ إلى حضن العائلة الجامع، فالتَقَتِ القلوبُ الشاردةُ لِتَلتَمِسَ الدفءَ في أجواءِ صقيعِ الخوف، فتفجّرتُ ينابيعُ الحبِّ من بعد جفاءٍ دامِس.

وأجمل ما  لاحظناه هو اجتماع البشرية جمعاء على مواجهة عدوٍ واحد، هو أخطر بكثير من راجمات الصواريخ وقاذفات القنابل والبراميل المتفجرة.

والأجمل ما ظهر من تداعيات الأزمة هو التكاتف والتكافل الاجتماعي بأبهى صورته الإنسانية دولاً وجماعاتٍ وأفراداً، فبانَتْ معادن الرجال والنساء ومَن ظهرت عليه عوارضُ الجشع والطمع والإستغلال.

ويقيناً لقد انتصر بابُ الطهارةِ وفقهُ الواقع، حيث في زمن الأزمات والأوبئة يجبُ الأخذِ بالرخص الشرعيّة التي تُبيحَ تركَ صلاةِ الجُمعةِ والجماعات حِفظاً للنفس البشرية والتي هي من أسمى مقاصد الشرع الإسلامي الكبرى.

واللفتة الأهم في استنباطات كورونا هو الإستثمار في آفاق  المعارف الطبية والصحية ورحلة البحث العلمي لصناعة الأدوية المضادة للفيروسات والإستماع الإرشادات الأطبّاء والباحثين.

ولعل كورونا يكون نتاجَ صراعاتٍ بين الدول الكبرى لتغيير خريطة العالم وإعادة تكوينه من جديد في سياق عالم متغير وفي مشهدٍ ستتبدل فيه التحالفات والولاءات  السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، فدعونا نشاهد نهاية ما بعد الأزمة.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s