دعوة الى كسر الصنم..

لا توجد تعليقات

لبنان عربي – سامر الحجار


أمتي كم صنم مجدته *** لم يكن يحمل طهر الصنم

لا يلام الذئب في عدوانه *** إن يك الراعي عدو الغنم

فاحبسي الشكوى فلولاك لما *** كان في الحكم عبيد الدرهم

عمر أبو ريشة

اعذروا سلبيتي في مقالي السابق، اعذروا جلد الذات الذي قمت به. اعذروا حسرتي على واقعنا المزري. كيف لي ألا أكون كذلك و أنا من عايش حلم الربيع العربي الحزين؟ كيف لي ألا أكون كذلك و أنا في حالة ارتباك وضياع بين ماضينا المجيد وحاضرنا التعيس؟

كبرت الفجوة بين ماضينا وحاضرنا سنوات فلكية. كبرت الفجوة بين علمائنا ومفكرينا وبين عامة الناس. كنا في ما مضى نصدّر  للعالم مئات المفكرين والعلماء أمثال الجاحظ والرازي وابن نفيس وابن سينا، ونعجز اليوم عن تكرار صناعتنا للمعرفة في شتى ميادينها.

 صدّرت مكتبتنا العربية العلمية 1500 كتاب لعالم وحيد اسمه جابر بن حيان، ونقف اليوم أمام حقائق مذهلة بالأرقام: نطبع كتابا واحدا لكل12,000 مواطن عربي. فماذا جرى لنا؟ ماذا حدث لنصل الى هذا القعر؟

فعليا، عندما تخلينا عن العلم، العمل والاخلاق أودى الحال بنا الى ما نحن عليه. وفي حال أصرينا على التخلي عن هذه المرتكزات الاساسية في بناء المجتمعات في المستقبل القريب، سنتحول الى جزر متخلفة وقبائل متناحرة لا تشبه بتخلفها دولا أخرى في هذا الكوكب.

لذلك ولكي لا يجذبنا تيار الجهل والتجهيل اليه أكثر فأكثر، فإنه علينا الدفع بالمرتكزات الآنفة الذكر كي نستعيد ولو القليل من مجدنا التليد:

أولا: العلم

 المعرفة في  إزدياد دائم لذا علينا اللحاق بمركبها في أسرع وقت. إذ أنه لا يمكن لأية أمة أن تنهض الا اذا أعطت للعلم أولوية: أولوية في ميزانياتها وفي حكمها وفي مؤسساتها، أولوية في خلق بيئة علمية تقدّر العلم وتعمل على تطويره، أولوية في تحسين واقع البحث العلمي في كافة المجالات.

وهنا لا بد من الإعتراف بأن منهجنا السائد في هذا المضمار ينقصه بعد النظر، لأنه قام على دفع الطلاب الى اختيار تخصصات علمية محددة من معيار موحد ألا وهو حاجة ” السوق” وانتاجية الفرد في السوق، واهمل العلوم الانسانية، لذا نفتقر اليوم لأدباء ومفكرين و مبدعين يسطرون خرائط طريق للمجتمع المنشود.

لذلك نحن بحاجة الى رؤية علمية طموحة تحمل أهدافا واقعية ومحددة تصبو لبناء مجتمعات مكتفية ذاتيا ومعتمدة على نفسها في تعليم أبنائها وحمايتهم من الجهل. رؤية قائمة على مبدأ تكافؤ الفرص والمساواة بين جميع الأفراد، فلا فصل بين فقير وغني ولا عزل لذوي الاحتياجات الخاصة عن المؤسسات التربوية. رؤية تثقل من أهمية تنمية شخصية التلميذ والطالب المتكاملة في جوانبها المختلفة : الفلسفية، الروحية، النفسية والجسدية. تعمل هذه الرؤية على اكتساب منظومة قيم ايجابية وتغرس مبادئ الانتماء والتنوع والمساواة.

 رؤية يحظى فيها المعلمون بمكانة مرموقة توازي مكانة الحاكم وتسعى الى تطوير البنى التحتية لمدارسنا وجامعاتنا بحيث تلائم متطلبات التربية والتعليم في القرن الحادي و العشرين. رؤية تشاركية مع الطلاب بحيث تعطي لهم الحرية داخل أسوار المؤسسات التعليمية في اتخاذ القرارات وفي العمليات التعليمية والتعلمية.

ثانيا: العمل

 يرى مالك بن نبي في كتابه “شروط النهضة”، أن الذي ينقص الفرد في العالم العربي والاسلامي هو منطق العمل والحركة، فالفرد في عالمنا لا يفكر ليعمل بل ليتكلم. ولقد عظمت جميع الأيديولوجيات والأديان السماوية مكانة العمل، فمثلا الاسلام قرن العمل بمبدأ الإيمان في كل آيات القران الكريم و جعل العمل دليل صدق الايمان. حتى أن الله أمر كل الأنبياء بالعمل كباقي الناس فعمل آدم في الزراعة، وداوود في الحدادة، ومحمد صلى الله عليه وسلم في رعي الغنم.

ونشير هنا الى أنه كان من أسباب تخلف العرب عند الجاهلية عن باقي الحضارات هو احتقارهم للأعمال اليدوية حتى أطلقوا عليها تعبير مهن من كلمة امتهان. فلا يعمل في الأعمال اليدوية والزراعة و الحرف الا العبيد و أما سادة العرب فلا يعملون الا بالتجارة للربح السريع. وهذا غذّى فكرة الكسل واحتقار العمل. وللأسف كم شبه واقعنا الحالي تلك الجاهلية. وها نحن كما قال جبران خليل جبران: “نأكل مما لا نزرع و نركب مما لا نصنع و نلبس مما لا ننسج”…فويل لنا.

لذا فنحن اليوم في سبات عميق، ننهض منه عندما نحارب المرض وليس أعراض المرض. مرضنا هو الكسل والخمول ومحاربتهما تكون برؤية تغييرية مجتمعية فلسفية تؤمن بالعمل وتقدر الجهد وتعتبره ركنا أساسيا للنهضة.

ثالثا: القيم والأخلاق

 لم يفتنا مركب العلم وحسب بل وللأسف الشديد أهملنا مفاهيم الأخلاق الانسانية وعرينا أنفسنا منها. وأهمية الأخلاق أنها تجعل الانسان جديرا بانسانيته، عضوا ايجابيا في محيطه الاجتماعي. وعلى هذه الأخلاق تبنى الأسس المتينة التي تقوم عليها الأمم والدول، فالفارابي على سبيل الذكر يعتبر أن الأخلاق هي رافعة المجتمعات.

والجدير بالذكر أننا استنسخنا أو طبقنا أنظمية سياسية واقتصادية أجنبية واستوردنا معها ثقافات و مبادئ لا تشبه مجتمعاتنا ولا تمت لأخلاقها بصلة. فالأنظمة العربية الليبرالية الراديكالية تعتبر الانسان مجرد الة أو مصدرا للأرباح و تعريه من مفهومه الروحي وتلبسه ثوب المادية. والأنظمة الاشتراكية الراديكالية قضمت دور الفرد في المجتمع وأعطت الدولة دورا و أهمية على حساب انسانية الفرد في كثير من الأحيان.

 أمام هذه المشهدية، علينا تطوير رؤية واضحة لهوية المجتمع الأخلاقية. رؤية تكون حاضرة في الاعلام والتربية والتعليم ومؤسسات المجتمع الأهلي. رؤية  تحتاج لمشروع صغير يؤمن به رواد المجتمع ويقومون بتحريك دفة سفينة التغيير القيمي وعجلة قيادة المجتمع. رؤية تحرك كل فئات المجتمع حول هوية معينة، وتبني قوة جامعة مصرة على النهوض. رؤية تضم الى جانب المسؤولية الاجتماعية المسؤولية الفردية التي تمتد الى كافة مناحي حياتنا وبيوتنا ومدننا وأعمالنا.

كنا ننتظر كالأصنام وننظر الى تقدم كل الأمم ونلوم أنفسنا ونندب ونبكي على الأطلال. دعونا اليوم  نكسر أصنام اللاعمل والثرثرة و ننهض من جديد في هذه الأمة.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s