“الشيخ” الذي بُهت من كلام الفقراء: لديهم كرامة؟

لا توجد تعليقات

لبنان عربي – عبد الرحمن السيد

“لجنة المسجد تذكركم بدفع زكاة أموالكم لإعانتها في مصاريفها، كل ليرة تدفع يجزي الله بها صاحبها ويزيد لمن يشاء”. بهذه العبارات أنهى إمام وخطيب المسجد صلاة الجمعة التي أمّها في أحد بيوت الله في طرابلس، على الرغم من الحظر المفروض حكوميا على المواطنين، وإغلاق دور العبادة والمطاعم والساحات العامة.

وما إن وضع الإمام العمامة على رأسه بعد إنتهاء الصلاة، وتحرك للخارج  متوجهاً نحو سيارته من نوع مرسيدس سوداء اللون، ذات زجاج داكن وعليها لوحة من ٣ أرقام، سمع عبارة “مولانا، مولانا عن إذنك لو سمحت”، فأظهر إبتسامة تحبب كون كل من في الشارع خبُر أنه “مولانا”، قال لصاحب الصوت تفضل أخي في الله، ما حاجتُك؟”.

بدأ أحمد، وهو من فقراء طرابلس الذين يعيشون في أحيائها الشعبية، بسؤال فضيلته أن يطلب من الله تعالى له المغفرة لأنه لم يصلِّ “الجمعة” جماعةً في المسجد، فنهره الشيخ قائلاً:”ويحك.. ألا تخاف الله؟”.

صعق أحمد، فقال مما حفظه من تداول الناس في الشوارع: يا مولانا، جمعٌ من العلماء أفتى بجواز عدم الصلاة جماعة في زمن الكورونا، يا مولانا، لا ضرر ولا ضرار، وربنا في محكم تنزيله قال: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة}، أجابه فضيلته جاحظاً عيناه:” يا أخي أتزايد علي في الإسلام، أنا أفقه منك وأعلم منك، فما بالُك تحاججني بما أنت لست أهلاً له..”.

تلبّك أحمد ولم يدر ما يجيب، فهذا شيخٌ معمم، وقوله هو من وحي ما عرف وتعلّم، وبطاقة التعريف الملصقةُ على الزجاج الأمامي لسيارة المرسيدس تؤكد أنه ينتمي إلى دار الإفتاء.. فحاول تدارك ضعف معلوماته أمام بحر علوم فضيلته وإستسلم قائلا: “مولانا، سامحني ولكن ما هذه حاجتي، فاسمع حاجتي رجاء”.

ثم أردف سارداً معاناة أهل منطقته معدومي الحال، الذين لا تتوفر لديهم أدنى أساسيات قوت يومهم هم وعيالهم، سائلاً الشيخ عن أموال المسلمين من الأوقاف الإسلامية التي ترعاها وتسهر على تأمينها وحسن تدبيرها دار الفتوى.

ثم جاد في حديثه مستفسراً عن دور علماء ومراجع وشيوخ الطائفة السنية التي ينتمي إليها أحمد، في تخفيف هول ومصاب العائلات الفقيرة في زمن الكورونا.

امتعض الشيخ، وراح ينظر في ساعة يده كم بقي معه من وقت قبيل أن يضطر للذهاب إلى إجتماعٍ مهم كان قد دعي إليه للنظر والبتّ في أمور الطائفة وكيفية تحضير دراسة مفصّلة حول أوضاع المساجد ورواتب الأئمة والخطباء التي لا تحوّل لهم بسبب أزمة الدولار في المصارف، ولكنه ولحسن أخلاقه جاوب أحمد قائلاً: “يا أخي، إن الدولة اللبنانية مقصّرة كثيراً في القيام بدورها في مساعدة المحتاجين والمعدومين، وإنني قد تواصلت شخصياً مع المراجع العليا وألححت في الطلب إليهم الإسراع في تشكيل لجان ميدانية لدرس واقع الحال في مدينة طرابلس، وقد وعدوني بتنفيذ رغبتي، وأنا أنصحك يا أخي أن تبادر أنت وأبناء حيّك للضغط على الحكومة اللبنانية لتأمين المأكل والمشرب للفقراء، وأنا أعدك أنني سأتطرق لهذا الموضوع في خطبة يوم الجمعة المقبل”.

استاء أحمد من رد فضيلته فما كان منه إلا أن قال: “يا مولانا، من اليوم حتى الجمعة القادمة يمكن أن أموت من الجوع أنا وأولادي، ماذا أفعل يا مولانا، أغثني أثابك الله وأعظم قدرك ورفع من شأنك ورزقك الجنة والفردوس الأعلى مع الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين..”

رقّ قلب فضيلة الشيخ بعد استماعه لهذا الموشّح من الدعوات، المحبّب لآذانه، فأمسك هاتفه وأجرى إتصالاً بأحد علاة القوم، وكان على ما يبدو أحد رجال السياسة، لأنه بدأ حديثه بقوله:” الله معك يا سيدنا..” ابتعد أحمد قليلاً، تاركا الشيخ يجري إتصاله بلا إزعاج أو تطفل، وحينما انتهى الإتصال، صرخ فضيلته لأحمد قائلاً: “لقد تواصلت مع أحد المحسنين من أجلك وقد طلبت منه العمل على تقديم مساعدة عينية لك هي عبارة عن كرتونة مليئة بالأساسيات الغذائية التي تستطيع أن تسد بها عوزك إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً، ولا تشكرني على واجبٍ يا بنيّ، فهذا أقل ما يمكنني القيام به مع أهلي في المدينة”.

صمت أحمد لبرهة، ثم ما لبث أن استشاط غضباً على فضيلته مستعداً لتحمل وزر رفع الصوت على أولي الأمر:” أنا لا أريد مساعدة من أحد، أنا لا أريد منّة من أحد،  سألتك عن أموال الأوقاف، أموال المسلمين التي يجب توزيعها على فقرائهم، لا يا فضيلة الشيخ، أنا لا تسمح لي كرامتي بتقبل ما فعلت، سامحك الله، سامحك الله.”

بُهت فضيلته من جواب أحمد، فأذنه منذ زمن بعيد لم تعد تسمع هذه العبارات، صرخ بصوتٍ تطاير منه الخشوع والإيمان والتقوى:” يا ابني، أنا لستُ مسؤولاً عن أموال الأوقاف، ولستُ مسؤولاً عن إطعام الفقراء، ولستُ مسؤولاً عن تأمين غذاء أكثر من نصف مليون مواطن طرابلسيّ، سامحك الله، لقد وددتُ مساعدتَك”.

 لم يكذب فضيلته فهو فعلاً مسؤولٌ عن تعليم أصول الفقه والعقيدة والشريعة، وليس مسؤولاً عن أوقاف المسلمين. ثم ركب سيارته وهو يتمتم بـ”اللهم لا تحاسبنا بما فعل السفهاء منا يا رب العالمين، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.”

غادر فضيلة الشيخ مسرعاً نحو إجتماعٍ كان قد تأخر عليه فعلاً، تاركاً أحمد لوحده أمام المسجد، لا حول له ولا قوة سوى بالله العلي العظيم. ليغادر بعدها بعدة دقائق متوجهاً نحو بيته وعياله حاملاً معه أملاً بربٍ واحدٍ أحدٍ، بيده الرزق، يرزق من يشاء..

انتهى الحوار “الإفتراضي” هنا، ولا نعلم ما الذي جرى مع أحمد تلك الليلة، كيف أطعم أولاده، كيف دعا ربه، كيف تلقحّ على سريره وهو يشكو ضعف حيلته وهوان أمره إلى من لا تضيع عنده الودائع.. من المؤكد أن أحمد قد كفر بالعباد، وزاد إيماناً بربّ العباد.. لكننا علمنا من الذين صلوا بعد أسبوع عند الشيخ في المسجد أنه ختم خطبته بالقول: ” طهروا أنفسكم من المعاصي بالزكاة، الزكاة تطفئ غضب الله، لا تنسوا لجنة المسجد فإن تكاليف ومصاريف الكهرباء والمازوت والتنظيف باتت مرتفعة، بارك الله بكم”.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s