طرابلس.. مدينة لا تشرق فيها الشمس!!

لا توجد تعليقات

لبنان عربي

خلال السنين التي مضت، أصبحت الحياة المجتمعية في طرابلس مدعاةً للنفور.

لا شيء يُشبهُ المدينة في هذه المدينة. الحياة الاقتصادية فيها تقتصرُ على بيع الملابس والأحذية، اضافةً الى بعض الأفران التي ما زالت تخبز الكعك الطرابلسي، وصروحٍ تبيع الفول والحمُّصَ، وكثيرٍ من المقاهي.

 زائرُ طرابلس يشعر لوهلةِ أن سكان هذه المدينة يأكلون القهوة، ويشربون القهوة، ويلبسون القهوة، ويعبئون سياراتهم قهوةً بدل البنزين. من شارع 32 او الضم والفرز كما يسمى، الى عزمي، وصولا الى الأسواق الداخلية، تتوزع سلسلة من محلات بيع القهوة، يتراوح سعر أعلاها ستة آلاف ليرة لبنانية، وادناها يبلغ 250 ليرة.

 تقفلُ متاجر المدينة عند الساعة الخامسة مساءً. وبعدها تتحول طرابلس الى قرية نائية ينام أهلها باكرا وإن كانت بعض مطاعمها تضج بالحركة.

 طرابلس تعيش كآبةً مقيتة منذ ثلاثين سنة على الأقل. لم يشعر أحدٌ بكآبتها، حتى أولئك الذين يسمون أنفسهم مثقفين، بدل أن يشعلوا شمعةً في ظلامها الدامس، أطفأوا بأيديهم المتببة ما تبقى من مشاعل.

ليس تفصيلاً أن لا تشهد المدينة مبادرةً واحدة معتبرة منذ ثلاثين سنة لمساعدة الأسر الأكثر فقراً، وهذه المبادرات كما هو معلوم يجب أن تنطلق من المجتمع المدني. فأين هو؟

هذا المجتمع الذي يمثل بالحالة الطبيعية الطبقة الوسطى من تجار ومعلمين ومهندسين وغيرهم، مقسوم الى قسمين: قسم يقضي نصف أوقاته خارج المدينة، أو في مقاهيها المودرن، او في شقته الفارهة، حيثُ لا يخرج في الشهر الا مرة لجني غلال أملاكه التي ورثها. فيما يقفُ الآخرون من القسم الثاني على أبواب السياسيين طمعاً بشيءٍ من الفتات الذي يرمونه لهم من بعيد، وهؤلاء أنفسهم ماهرون كثيراً في التنظير، سئمت وجوهَهم مقاعد الملتقيات الثقافية والمحاضرات، يكررون في كل مناسبة نفس الأسئلة، يرددون ذات المطالب والصرخات، حتى لتكاد أصواتهم تستحيلُ الى جلبة غير ذات فائدة في غابة الأشباح تلك.

هذه الطبقة الوسطى التي تمثل في الحالة الطبيعية الأداة المجتمعية لكسر الهوة بين الأثرياء والفقراء فقدت دورها الأساسي، ولم يتبق منها الا بضع شخصيات لا يتجاوزون عدد اليد الواحدة. ولم يتبق للأحياء الفقيرة او المدقعة في الفقر، سوى “فتوة الحي”، او ما نراه في المسلسلات السورية “العقيد”، في غير حارة شعبية. هناك حيث يقوم ذلك “القائد” الخارج من بيئة فقيرة ببناء حيثية له بمساعدة السياسيين الذين يستندون اليه في الاستحقاقات الانتخابية، فيما هو يستغل حاجة السياسيين في تعزيز مكانته عبر مساعدات اجتماعية يحصلها من هذا الزعيم او ذاك. وهنا لا بد من الاشارة الى أن هذا “القائد” له دورٌ مقبول شيئاً ما اذا ما قسناه بالطبقة التي تقول أنها “النخبة”، ولو امتلك ذلك “القائد” الدراية والمعرفة الكافيتين، لربما غير المعادلة في طرابلس.

هذا واقع طرابلس اليوم دون أي “تجميل” لوجهها الذي يكابر البعض بإعتباره وجها مفعما بالحيوية، لكأن الشمس مدته بطاقتها الرهيبة. هذا واقع المدينة التي تعيش غالبية سكانها على مجدها القديم دون أي أفق للمستقبل، ويكنز أصحاب الرساميل فيها أموالهم في البنوك، متذرعين أن المدينة لا تصلح للإستثمارات لذلك لا جدوى من الإنفاق الإقتصادي الإستثماري فيها، كل ما يحتاجه أهلها أو الأغلبية منهم بضعة دولارات في الموسم الإنتخابي وكفى…

 طرابلس مدينة مُظلمة في وضح النهار، ومظلومة في كل حين. مُظلمة بفعل تكاسل أهلها عن فتح نوافذها للشمس، ومَظلومة من دولتها وأحزابها وتياراتها وأهلها الذين بات أكثرهم يسعون وراء رغيف الخبز بعد أن أقعدهم الفقر عن السير بأحلامهم في المدينة الى الأمام.

شروق الشمس دائم ما دام الوجود، ومن يهرب من النور لا يمكنه أن يرى، والمكوث في الظلام سمة العاجزين الخائفين المترددين، الذين يستعدون الحركة وينفون عن أنفسهم المقدرة. لكن طبع المدن لا يتلاءم مع أحوال هؤلاء، وما من مدينة غرقت سفينتها إلا وأنجبت ربانا جديدا يتقن القيادة والإبحار، يمخر عباب البحر ليصل الى الأفق الذي رسمه لمدينته.

 فمتى يحين ذلك؟.. لقد آن الأوان أيها المدينة أن تفتح شوارعك أذرعها للشمس فلا تغلقها أبدا.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s