“كورونا” وإعادة ضبط التوازنات العالمية!

لا توجد تعليقات

لبنان عربي – عبد الرحمن محمد

ربما ينظر إلى الحديث عن التوازنات الدولية بعد جائحة كورونا الحالية، بنوع من تبلد المشاعر الذي يتهم به التفكير السياسي، لكن للواقع آلياته، والخوف والهلع الحالي، وكذلك الفاتورة الكبيرة التي تدفعها الإنسانية حاليا من جراء هذا الفيروس، ليست سوى حلقة من سلسة التغيير، التي يشهدها هذا العالم منذ أن وجد، والاستشراف هنا ليس بلادة شعورية، وإنما يقظة فكرية لما سيأتي.

خرجت الجائحة من الصين، هذا التنين الذي يثير مخاوف أهل الغرب والشرق، بقدر ما يثير إعجابهم، سنوات قصيرة حقق فيها الصينيون قفزات في أرقام الاقتصاد، ليصبحوا القوة الثانية اقتصاديا بعد الولايات المتحدة، من هنا اعتبر انتشار الفيروس اختبارا لقدرة النظام الصيني على التأقلم مع المستجدات، والآن اعتبر اختبارا لأوروبا، وعما قريب سنراه ربما اختبارا للولايات المتحدة وروسيا والبرازيل، وغيرها من القوى العالمية والإقليمية.

لكن في التعامل مع وباء مثل كورونا، قد تبدو فاتورة الهزيمة أمامه أقل من فاتورة التصدي له، فسرعة انتشار العدوى، وقدرة الفيروس على التخفي في أجسام المصابين لأيام دون اكتشافه، تفرض ما يمكن أن نسميه تعطل البلاد عن العمل، لحصار الفيروس، وهذا يعني توقف الإنتاج، وبالتالي تباطؤ الاستهلاك، لتمضي السكة نحو الكساد.

وهنا تدخل عوامل ومتغيرات عدة، في كل بلد على حدة، وأهمها، طبيعة اقتصاد البلد (ريعي أو إنتاجي)، والدين العام فيه، ومستوى الاعتماد على الخارج، وهرم الأعمار السكاني، وسرعة تفشي الوباء.

لذا فالحكم على تأثير كورونا على توازنات السياسة الدولية، ينبغي أن يأخذ بعين الاعتبار كل هذه المتغيرات، بالإضافة إلى المسار الفعلي الذي ستتخذه كل دولة تجاه الجائحة الطارئة.

بالنسبة للصين، فعلى الرغم من كل الحديث عن تصديها للفيروس، وتمكنها من وقف انتشاره، وسواء صدقت البيانات الصينية حول ذلك أم كذبت، فإن العالم بعد انتهاء الجائحة، سيفتح ملف الصحة العالمية، وسيصبح هذا الملف أسوة بملفات أخرى مثل المناخ والتلوث والحريات والإرهاب، مسألة عالمية لا تستطيع الدول أن تقول إنه شأن محلي، فتفشي وباء في دولة يعني انتقاله إلى الآخرين، بل قد يتضرر الآخرون منه أكثر من تضرر الدولة التي انطلق منها.

بعد كورونا سيصبح ملف “الصحة” مطلبا عالميا

من هنا يُتوقع أن ضغطا غربيا متزايدا لإيلاء ملف الصحة في الدول مزيدا من “العالمية” والتدخل فيه من قبل المجتمع الدولي، بل قد تسن لأجل ذلك قوانين وتفرض عقوبات، وهو بالطبع ما ستحاول الصين مقاومته، ومعها مجموعة من الدول الشبيهة بها. هذا المسار يدفعنا لإعادة فهم السر وراء التصريحات الصينية الأخيرة التي تتهم الأمريكيين بإيصال الفيروس إلى الصين، بعد أن نفى الصينيون ذلك في الأسابيع الأولى لانتشار المرض، فالهجوم الاستباقي هنا، هو خير وسيلة للدفاع في وجه الهجوم القانوني المقبل من الغرب.

أزمة أخرى للصين، وهي أن الشركات العالمية تعلمت درسا لن ينسى في موضوع تركيز مؤسسات الانتاج في دولة واحدة أو إقليم واحد، لذا فإن نقل جزء كبير من الانتاج من الصين إلى دول أخرى، آسيوية أو غير آسيوية سيكون خيارا ضروريا للشركات العالمية تحسبا لخسارات مدوية على المدى البعيد، فيما لو تكرر انتشار وباء ما مرة أخرى خلال السنوات المقبلة.

في حالة الصين، حيث الاستهلاك المحلي وإن كان يرتفع لكنه ما زال تحت مستوى القدرة على الاعتماد عليه، كذلك في ظل فقر البلاد في مجالين أساسيين هما الطاقة والزراعة، فإن فقد نسبة من سوق التصدير يعني وضع سقف للتطور الاقتصادي الصيني، سقف يطمئن العم سام أن التنين الشرقي غير قادر على تجميع ما يكفي من فائض القوة لمنافسته على سيادة العالم، ففائض القوة في السياسات الدولية أهم من القوة نفسها، فالصين لا تنفعها القوة الكبرى وحسب لأن منافعها تتوزع على مليار وأربعمئة مليون شخص، حالة يمكن أن نشبهها برجل يملك جسدا كبيرا لكنه يحتاج لكمية طعام لا يقدر على تأمين كاملها، فيعاني من قلة في الحركة، وآخر صغير الحجم لكنه يمتلك ما يكفي جسمه الصغير من السعرات الحرارية والبروتينات، بل ويفيض عنده، ما يسمح له بمزيد من القدرة على المناورة والقتال، هذا مثال يدغدغ العقل الأمريكي، عند مقارنة وضع الولايات المتحدة مع الصين المثقلة بمليار وأربعماية مليون إنسان.

الإتحاد الأوروبي: الخاسر الأكبر

بالنسبة للاتحاد الأوروبي، الذي يبدو حتى الآن الخاسر الأكبر، فهو تحت معاناة كبيرة، إن كان لجهة عدد الإصابات والوفيات، وإن كان لجهة الخسائر الاقتصادية والتباطؤ المفروض على عملية الإنتاج فيها، كذلك خسرت أوروبا سمعتها، فلم يستطع النظام الطبي في القارة العجوز، مقاومة هجمة الوباء، وهو ما يعكس ترهلا حقيقيا، ليس في النظام الصحفي لدول الاتحاد وحسب، بل وربما في الدولة نفسها.

قد يقول قائل، إن من مصلحة الأوربيين أن يحصد الوباء حياة بضعة ملايين من العجزة الذين يستنفدون عشرات مليارات اليوروهات سنويا على التأمين الصحي في القارة العجوز، وهذا واقع، لكن إعادة دفع الاقتصاد بعد الأزمة سيكون أمرا بالغ الخطورة، فالبحبوحة الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية وانتهاء الاستعمار قائمة على “اقتصاد الدين” غير أن اقتصاد الدين هذا بدأ يدق ناقوس خطره، مع تضخم الدين العام، في دول مثل إيطاليا وإسبانيا وحتى فرنسا، وضخ مزيد من الأموال لتنشيط الاقتصاد يعني مزيدا من الدين، أي مزيدا من “خدمة الدين” والضغط على الاقتصاد، تحديدا الطبقة الوسطى.

ماذا عن روسيا؟

بالعودة شرقا، إلى روسيا، سيكون مطمئنا في المنظور الجيوسياسي ضعف جارتيها العظيمتين، أي الصين شرقا والاتحاد الأوروبي غربا، فالخطر المحدق جيوسياسيا بروسيا ليس سوى طمع أوروبي بالطاقة الروسية، أو طمع صيني بطاقة روسيا وكذلك بأراضيها الزراعية، غير أن روسيا تمتلك ترسانة نووية تخيف العالم وتطمئن لها، وشيء من ضعف جارتيها يطمئنها جيوسياسيا لكنه يقلقها اقتصاديا.

فالاقتصاد الروسي المتداعي والريعي، يعتمد بشكل أساسي على صادرات الطاقة تحديدا  إلى الاتحاد الأوروبي، وإلى الصين حيث يمتلك البلدان مشروعا طموحا لتصدير الطاقة، وبالتالي فمخاطر الركود عن هذين الشريكين يخيفان موسكو التي بالطبع ستتقلص أرباحها من صادرات الطاقة، وهي التي تخوض حربا ضروسا مع أوبك على أسواق النفط أوصلت سعر البرميل لنحو عشرين دولارا، وهو ما يقارب تكلفة إنتاج برميل نفط واحد لديها.

اميركا الرابح الأول

بالنسبة للولايات المتحدة، وهي التي تتمتع أكثر من أي دولة أخرى بعبقرية المكان، والتمركز الجيوسياسي الذي تحسدها عليه أي دولة في العالم، فهي تحت المخاطر ولا شك، لكن غنى الولايات المتحدة بمصادر الطاقة، والقدرات الزراعية والصناعية والتكنولوجية يمنحها القدرة على التكامل مع نفسها إذا انحسر الآخرون، من هنا يكون ربح الولايات المتحدة، أنها ستكون أقلهم خسارة، وهذا ربح في زمن الكوارث، وهي التي ربحت بهذا الشكل في الحربين العالميتين، وحتى في الحرب الباردة.

تكتيكيا قد يطيح فيروس كورونا بترمب ويعيد الديمقراطيين إلى البيت الأبيض، وقد يستفيد ترمب منه، لكن هذا ليس شيئا مركزيا في لعبة الأمم.   

جائحة كورونا، تمثل في العلاقات الدولية متغيرا من خارج المنظومة (أي غير متوقع) وهنا يثبت من يملك المقدرات الكافية، ويسقط من يتكئ على عصا أكلت جوفها “فوائد الدين”.

كما إن هذه الجائحة اختبار لنموذجين، نموذج الدولة المركزية التي تتحكم بكل شيء، ونموذج دولة الحريات والديمقراطية، حتى اللحظة يقول الصينيون أنهم انتصروا على كورونا، بينما يظهر الأوروبيون في المشهد منهكين بفعل الضربات الشديدة التي يوجهها لهم الفيروس الصيني، غير أن المسرحية لم تنته بعد، ولكورونا طبعا ما يفاجئنا به، كما فاجأنا أكثر من مرة في أسابيع معدودة.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s