“دكاكين دينية”…تقوّض خطة الدولة لمكافحة كورونا

لا توجد تعليقات

لبنان عربي – طارق المبيض.

يبدو أن رجال الدين قد كشف الله عنهم الغيب وأوكلهم الشؤون الاقتصادية والصحية وجعلهم بعطاءٍ من عنده خبراء في مجال الجراثيم والميكروبات والفيروسات. تعساً لمختبرات أمريكا والصين واوروبا التي تصرف بليارات الدولارات على البحث العلمي وكشف الخريطة الجينية للفيروس. تباً لغباء ترامب الذي عرض مبلغ مليار دولار على شركة تصنيع لقاحات المانية لأخذ حقوق صناعة ترياقها. ويا لأجهزة التنفس والكمامات والقفازات واختبارات فحص الكورونا، كم هي سخيفة. لماذا يضيعون اوقاتهم في محاصرة الجائحة التي شغلت العالم، فيما الشيخ الفلاني في أقصى قرى لبنان قد وجد الدواء، ووقى العباد شر هذا الفيروس الخبيث. وفوق ذلك أوجد اللقاح الذي تبحث عنه المختبرات العالمية عبثاً ولن تجده قبل ستة أشهر على الأقل بحسب أكثر المتفائلين.

فقد تحدت عدة مساجد قرار دار الفتوى القاضي باغلاق المساجد في الأوقات الخمس واقتصار الأمر على اقامة الأذان. وأصر مشايخ وعلماء (لا أدري ما هو تخصصهم العلمي) على ليِّ رقابهم كاشارة لتقواهم، وفتحوا المساجد أمام البسطاء من المؤمنين، ليقيموا فيها الصلاة.

 في الشكل لا سُلطة لدار الفتوى على مساجد لبنان، تلك المساجد التي أصبحت بألوان مختلفة، لها روادها، وهويتها الخاصة، فهذا مسجدٌ للسلفيين، وذاك للأحباش، واخر للجماعة، وهذا للنائب أو النائب السابق الفلاني، ومسجدٌ آخر يتصارع عليه المؤمنون، وكأن الطريق الى الله لا تمر الا به.

 تلك المساجد التي بني بعضها بأموال غير معروفة المصدر، واستخدم بعضها لاقامة الولائم للمرشحين قبل المعارك النيابية، وقال خطباؤها في حق الزعيم، ما لم يقله المتنبي في سيف الدولة. هذه المساجد رفعت منسوب تقواها الى الحد الأعلى، فأعلنت الحرب على من يحتكم الى العقل لتمرير هذه الفترة العصيبة من تاريخ العالم وليس لبنان فقط، وتقليل حجم الاصابات الى قدر تستطيع به المستشفيات استيعابها.

أما في المضمون، فان هذا الرفض للانصياع الى العقل يعكس حجم الانحطاط الفكري الذي وصلت اليها المجتمعات الاسلامية. هذه المجتمعات تنكر كل شيء، ليس لأنها واثقة من عدم وجوده، بل لأنه ليس لديها القدرة على محاججته وفتح نقاش حوله، وهي التي لا تملك سوى مفردات جاهزة يضحك بها من يسمون أنفسهم رجال دين على البسطاء من الناس. كلمات مثل: “قل لن يصيبنا الا ما كتب الله لنا” تتكرر على السنة رواد وسائل التواصل الاجتماعي خلال الايام الماضية في سياق دفاعهم عن اقامة صلاة الجمعة. آخرون ذهبوا أبعد من ذلك، فأوردوا آيات تكفر من يدعو الى حماية الناس عبر منع اختلاطهم في المسجد، فنقلوا: “ومن أظلم ممن منع مساجد الله ان يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها، اولئك لهم خزي في الحياة الدنيا ولهم في الاخرة عذاب عظيم”، ومشايخٌ أرادوا فلسفة الأمر –مع انهم يزندقون الفلاسفة- فجعلوا خطبهم لمواجهة الوباء. يا لكرمهم وعطفهم وفضلهم على الناس! يجمعون الناس على السكين ليذبحوا ثم يخطبون في حرمة قتل النفس!

آياتٌ تتناقل ببغائياً، تؤكد ان هؤلاء ليسوا سوى شريط كاسيت في مسجلة اوتوماتيكية، تعيد مضمون الشريط كلما انتهى دون ان تقدم جديداً.

التوكل على الله، هو أن نأخذ بالأسباب على أنها كل شيء، ونتوكل على الله أن كل الأسباب ليست بكل شيء (العبارة للشيخ عبد الغفار الزعبي) وهو خريج المدينة المنورة، والذي اثنى على قرار دار الفتوى باغلاق المساجد. التوكل على الله هو أن تعلم بان هذا الكون محكوم بقوانين الخالق بمنطق السببية اي ان لكل شيء علة وسببا. فاذا بردت فعلّة ذلك انخفاض حرارة الجو، واذا دفئت فذلك بسبب القيظ، واذا مرضت فذلك بسبب فيروس، وكل هؤلاء اي البرد والحرارة والميكروب هم من صنع الخالق.

واذا اردنا الفكاك من نتائجهم ونكون بحرارة معتدلة وأصحاء من المرض، فعلينا ان نعالج العلة اي السبب، فنرفع درجة حرارة المدفئة، او نستخدم المكيف، او نأخذ مسكنا او لقاحا ضد الفيروس، وذلك كله بايمان ان الله خالق كل شيء.

ما يقوم به المشايخ اليوم جريمة لن يدركوا نتائجها الا بعد أن تظهر اصابات لا سمح الله بين صفوف المصلين، او ان يقع احدهم صريع ذلك المرض. حينها وجب على القضاء اللبناني ان يقوم بمحاسبتهم، والاقتصاص منهم، لأنه من قتل نفساً بغير نفس او فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا… ومن احياها فكأنما أحيا الناس جميعاً.

تحية للمشايخ المتنورين الذين ساهموا باحياء أنفس المسلمين ومنعوا التجمع في المساجد.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s