“الكورونا” في منزلنا!!؟؟

لا توجد تعليقات

 لبنان عربي – مصطفى العويك

لم يكن الركون طويلا في غرفة الجلوس يستهويني، اعتبره طقسا من طقوس العبودية، أن تجلس وبجانبك رمونت الشاشة التي تمنحك خيارات عديدة للمتابعة، وامامك فنجان شاي او قهوة او شراب مما تشتهي، بزورات منوعة تبحث داخل كيسها عن حبة لوز فخيمة تتلذذ بها، او حبيبات من الفستق الحلبي المحمص…وترسل لصديقتك باقات من الورد عبر الواتساب، بعد أن تكون قد أرسلت لها صورة مباشرة عن جوك الرومنسي لتضعها في تفاصيل ما تفعله، أي انتهاك للخصوصية هذا؟.  ومن ثم تتعارك مع والدتك لأنك فوضوي مصاب بـ”جنون البقر”، فتكتشف أن من أنجبتك ليست بارعة فقط بالإنجاب كما قال لها طبيب الولادة، إنما أيضا تتقن حفظ قواميس الشتائم المنزلية وتتسلح بكتاب “الرد الساطع على الولد الضائع”، وأن مهاراتها اللغوية وسرعتها الحركية وقدرتها على غزل المواضيع كأنها تخيط ثوبا لحفيدها، أهم من كل طبخاتها البلدية التي لطالما تباهيت بها أمام زملاء الدراسة والعمل، وحُسدت على ذلك مرارا وتكرارا.

كل هذا كنت أفرّ منه فرار الفأر من الهر، لكني وجدت نفسي مجبرا على حجر منزلي تجنبا للإصابة بفيروس كورونا، منذ أن تأكدت أن الحل الوحيد لعدم الإصابة بالعدوى يتمثل بالمكوث طويلا في البيت، بِتُ شتلة كآبة متنقلة، بريء أصدرت محكمة النقض حكمها المبرم بالأشغال الشاقة عليه، ليته كان إعداما كان ليكون أقل وطأة، لكن اللوح المحفوظ سهمه أمضى من إرادة محبط كره الكورونا وكل فروع الفيروسات ليس لانها تهدد حياته او حياة والده وامه وأهله، بل لانها نصبت نفسها قاضيا عربيا يحكم بالجور على مواطن تهمته أنه شقيق الحرية التوأم.

 أستسلم، أجلس على الكنبة الزرقاء في الزاوية، لأن الأخ الأكبر احتل الكنبة المطلة على شباك الحي، وعندما أعترض تفتح أمي قاموسها الخاص “صغير البيت خادمه”، أحاججها أني سمعت جدي يوما يقول أن كبير البيت خادمه وليس صغيره، تخرج عليّ من المطبخ وبيدها ملعقة خشبية كبيرة كانت تحرك بها طنجرة “القمحية”، فتذكرني بشبيهتها التي انطبعت في مخيلتي صغيرا لكثرة ما ضُربت بها، قائلة بصوت لا يخشى وجود الزوج في المنزل: جدك لو كان فالح كان خدم عيلتو، مش هوي كان الكبير؟. تصمت لأن جوابك سيستتبعه إظهار شقيقتك الوسطى لحنكتها في توظيف الخلافات المنزلية لصالح تحقيق مكاسب مادية أو معنوية خاصة بها.

لذا تقنع نفسك بضرورة السفر عبر العض على الجراح الى عالم الصمت، وأنت تتقزز من مشهدية مداعبة إختك الصغرى لأصابع قدميها إرضاء لمتابعيها على تطبيق “تكتك”، حيث تداعب أصابيعها بالطلاء الأحمر، كأنها تقود سيارة فيراري وتشارك في سباق للفورميلا وان، ترافقها موسيقى لإنطلاق سيارة مايكل شوماخر قبل ان يتعرض لحادثه الشهير ويعتزل مرحليا إمتاعنا…دون أن يكون لك الحق في إطفاء مكنة الإنترنت لأن ذلك بمثابة جريمة من نوع سفاح القربى.

نعم انه سجن إرادي، قضبانه الحديدية استبدلت بجدران من الإسمنت، يخرج عليك السجّان من اللوحة التاريخية التي يعتقد والدك انها ترمز للعزة، وهي تجسد إحدى الإنتصارات التاريخية غير المؤرخة: رجل طويل القامة على ظهر حصان رمادي بيده اليمنى سيف يرجح انه من الهند، وفي الثانية راية بيضاء كتب عليها: “النصر حليف الصابرين”، وتحته دم كثير لقتلة أو شهداء لا تعرف هويتهم وإن كانوا من جنود  قائدهم او جنود “الكفار”…هل فعلا أبي من الصابرين؟

 السيف المشهور نحو السماء يشبه ذاك السوط الذي يُجلد فيه السجين لأنه اعتقد أن رئيس دولته ليس من جنس الآلهة، فلا أدري أية عزة يراها والدي فيه، وما مفهوم العزة لديه، فلم تقل لي أمي طيلة هزها لفراشي ما معنى كلمة عزة؟ وانا الذي اعتاد أن يحصل على معاني الكلمات ودلالاتها من قاموسها، فهي لم تربط لي يوما بين مغزى وجود اللوحة في منزلنا وبين تفسيرات والدي لدلالاتها، ومتى كان والدي صابرا؟ وما هي انتصاراته المدوية التي حققها في تاريخه سوى عبارتها: “أهم انجاز بحياتك إني صرت مرتك”…ليعلك شفتيه بعد ذلك ويمج سيجارته الوطنية ويختفي حيث لا يعلم أحد.

“هذا الكورونا اللعين حرمني من ملامسة شعرك وطبع بوسة على رقبتك، صادر مني حريتي المجتمعية، وباعد بيني وبين الإكسبرسو في مقهى الشارع حيث تدور الاحاديث عن النساء والسياسة والإقتصاد من متحدثين لا يعرفون شيئا عن الثلاثة، اشتقت للغوهم، أليس اللغو أمرا جميلا؟ ألم نلغُ معا في وصف ذاك اليوم الشتوي الذي تحججنا فيه بالدراسة تحضيرا لامتحانات نصف السنة، فدرسنا حركة الشفتين، ومدى صلابة النهدين، واستقامة مؤخرتك كترويسة لجريدة الصباح، أتذكرين كم لغونا بالحديث الحميمي، ولهونا بعدها بالجسد؟ يخيل اليّ ان أمك عرفت انك لم تعودِي عذراء لذلك طلبت من الله ان يفرّق بيننا فاستجاب لدروشتها وأرسل “الكورونا”، ترى كم مثلك لم يعدن عذراوات وعرفت أمهاتهن فدعون الله على من فعل بهن ذلك، فكان الكورونا ردا ربانيا؟ يا إلهي هذا يعني أني لن أراك بعد اليوم، فالكورونا كما قالوا في التلفاز سيبقى لسنوات، يا لخطيئتنا، معصية أهلكت صانعيها”.

أدخل الى الحمام متذرعا بوجع في البطن شديد، لأرسل هذه الرسالة لحبيبتي، رسالة يفوح منها عطر الخوف، يدي على زر الإرسال وعيني على ثقب الباب، ألسنا في زمن الكورونا وكل إخوتي في المنزل؟ أليس الكورونا مساهما أساسيا في رفع نسب اللصوصية؟

عندما خرجت من الحمام كانت أمي على  الباب تنتظر خروجي لتتوضأ لصلاة الفجر، شعرت بعينيها أكبر من ذي قبل، لا أدري إن كانت مع الأيام صارت من المتحولين؟ قالت لي: توضأت للصلاة، أجبتها نعم وسأدعو لك بطول العمر، فردت أنا من سأدعو أن يطول زمن الكورونا لتكبر على عيني، تصلين وتدعين الله ان يموت الأبرياء؟ أستغفر الله من لسانك ابتعد دعني أتهيأ لأدخل رضوان الله وأدعوه أن يجعلني من رافعي راية لوحة والدك “أبي العزة”.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s