“كورونا” والبحث عن السعادة

لا توجد تعليقات

لبنان عربي – مروان الخطيب*

“جبروتُ العقلِ البشري، طغيانُ العقلِ العلميِّ المنزوع منه الإيمان، يُعطيان إنسانَ اليومِ، حالةً مُخيفةً من الزُّهو والكِبْرِ والغرورِ بالنفس، ما يجعلُهُ يشعرُ أنه عابرٌ لإرادةِ الخالقِ الواحدِ الأحد، المُدبِّرِ المُطلقِ لهذا الكون”

-الإعلامي عماد الدين أديب –

*****

لم يكنِ الوباءُ الفيروسيُّ “كُورونا” الأوَّلَ على الأرضِ، ولرُبَّما لن يكونَ الأخير. فمن قَبلُ كان الطَّاعونُ، الكوليرا، الحَصْبةُ، المَلاريا، الإنفلونزا، الإيدزُ، وسواها. وكانَ الإنسانُ على الدَّوامِ، مَنْ يدفعُ فاتورةَ هذه الأدواءِ والأوبئةِ قبلَ أيِّ شيءٍ آخر.

ولعلَّ المُدَقِّقَ في واقعِ الحال، يخلصُ إلى رؤىً واستنتاجاتٍ عقليَّةٍ، لا بُدَّ من الوقوقِ عندها، وقراءتِها على الوجهِ الذي يتناسبُ مع ما حُبِيَ به الإنسانُ من قدرةٍ على الوعي والتفكير.

صحيحٌ أنَّ قُدرةَ ابنِ آدمَ على اكتسابِ المعارفِ العلميَّةِ قد اتَّسَعَتْ، وجعلتْهُ يُحَصِّلُ مِقداراً من الاستكشافاتِ التي فتحتْ أمامَهُ أبواباً كثيرةً كانتْ موصَدَةً من ذي قبل، وجعلتْهُ في المقامِ نفسِهِ، يمتلكُ أمداءً من القوى الماديَّةِ التي حدتْ ببعضِ الدول العالمية لأن تتبوَّأ مواقعَ في خارطةِ امتلاك القوَّةٍ حملتها إلى المنزلة التي لا تستطيعُ معها الدُّولُ الأخرى المنافسة، كما حالُ الولايات المتحدة الأمريكية مع غيرِها من الدول.

إِلَّا أن ما يجبُ حُضُورُهُ في الأذهانِ بشكلٍ دائمٍ ومُستَمِرٍ، هو أنَّ الإنسانَ لن يَخْتَرِقَ السُّننَ الكونيَّةَ بتاتاً، ولن يُغادرَ دائرةَ الاحتياجِ الفِطْريِّ، ليصيرَ قائماً سَرمَديَّاً في المَدَى الاستغنائيِّ، بل سيبقى ما عاشَ الحياةَ، رازحاً تحتَ القانونِ الذي يحكُمُ وجودَهُ، فلا يستطيعُ التفلُّتَ من ضوابطِ الحاجةِ إلى الرِّعايةِ في مَجَالَي الجِبِلَّةِ العُضويَّةِ والغَرائزيَّةِ. وهنا تكمنُ النقطةُ الجوهريَّةُ التي تكلَّمَ عليها خالقُ الكونِ والإنسانِ والحياةِ، اللهُ الأزليُّ الواجبُ الوجودِ عقلاٍ عميقاً وفكراً مُسْتَنِيراً، حيثُ يقولُ في سورةِ (العَلق) :” كَلا إنَّ الإنسانَ لَيَطْغَى أنْ رآهُ اسْتَغنَى”.

فشعُورُ الآدميِّ بالاستغناءِ، يحملُهُ قَطْعَاً إلى تأليهِ نفسهِ، مِنْ حيثُ درى أمْ لمْ يَدْرِ، وهذا بدورِهِ يقودُهُ إلى ممارسةِ فلسفةِ الطُّغيانِ في كُلِّ جوانبِ حياتِهِ، وإذَّاكَ يغدو ناراً تستعرُ لحرقِ الآخرينَ من أجلِ الوصولِ إلى ما يظنُّهُ سعادتَهُ. هذا الأمر، نلمسُهُ في رؤى وسياساتِ الأفرادِ والدُّولِ، وهو ذاتُهُ ما يُولِّدُ التَّنافُسَ البغيضَ والحيوانيَّ بينَ الأفرادِ والمؤسساتِ والشَّركاتِ، وبينَ سياساتِ الدُّولِ في صراعاتِها من أجلِ تحقيقِ مصالحِها، ما يجعلُ البشريَّةَ جمعاءَ واقعةً في مراجلِ اللَّهيبِ الأزرقِ والاكتواءِ بحُمَّى الاستعارِ المجنون!.

والمُدَقِّقُ مرةً ثانيةً وسابعةً في الذي قلناهُ، لا شكَّ في أنَّهُ سيرى بأُمِّ العينِ والبصيرةِ، المجالَ المفتوحَ للصِّراعِ من أجلِ الوصولِ إلى ما يُظَنُّ بأنهُ “المصلحة”، تلك التي يتقاتلُ من أجل بلوغِها المُتقاتلون، إنْ كانوا دُولاً أو أفراداً، أو شَرِكاتٍ، أو مؤسسات. ولعلَّ الواضحَ دوماً أمام كُلِّ ذي عقلٍ ولُبٍّ، وهو يقرأ وينظرُ إلى تلك التقاتلاتِ والصراعاتِ، أنَّ الخاسرَ فيها أولاً وأخيراً هو الإنسان، وليس غريباً إنْ أمعنا النَّظرَ في واقعِ الحال، بأن نصل إلى نتيحةٍ تقولُ بالفم الملآن : المتصارعون من أجل المصلحةِ الماديةِ البَحْتةِ، هُمُ الخاسرونَ أولاٍ وأخيراً. ذلك أن تقديرَ الأمورِ من الوُجهةِ الانفعاليةِ والغريزيةِ، بعيداً عن الرؤى العقلية الاعتقاديةِ المُستنيرة، سيجعلُ من القيمةِ الماديةِ قيمةً وحيدةً في الوجود، وسيجعلُها غايةَ الغاياتِ، والسبيلَ الوحيدةَ للوصولِ إلى معنى السّعادةِ وفحواها. وهنا تكمنُ الخطيئةُ الكبرى التي سيدفعُ أثمانها الأليمةَ الساعون إليها أولاٍ، ومن ثَمَّ مَنْ لم يأخذوا على أيديهم لمنعهم من الخوضِ في هذه المسالكِ العَتِيمَةِ والمؤذية!.

إنَّ حقيقةَ السّعادةِ لا يُمكنُ الوصولُ إلى فحواها وكُنهها بعيداً عن قراءةِ حقيقة الوجودِ برُمَّتِهِ. وعندما نعلمُ ونتيقَّنُ أن ثالوثَ الكونِ والإنسانِ والحياة، لا يتأتى له عقلاٍ وفكراً أن يكون أزلياً، ولا أن يكونَ قدْ أوجدَ ذاتَهُ بذاتِه، نعلمُ علمَ اليقينِ بأنَّهُ موجودٌ ومخلوقٌ لخالقٍ أزليٍّ واجبِ الوجودِ عقلاٍ وفكراً مُسْتَنِيراً، وبعدها نبحثُ ونستنطِقُ كِتابَ الخالقِ ورسالتَهُ العظيمةَ عن الغايةِ من الخلقِ، وبالتالي عن معنى السّعادةِ وفلسفتِها الصَّائبةِ والحقيقيَّةِ، فنسعى إليها، ونتمسَّكُ بها، وتكونُ سبيلَنا الوحيدةَ إلى إنسانيتنا الحقيقةِ، وإلى خلاصنا من الأوهامِ والضياع!.

…، وعندَ هذا الحدِّ، يُمكنُ لنا أن نقولَ: شُكراً “كُورونا”، فحضورُ هذا الفيروسِ القاتلِ في حياتنا، لربَّما أنقذنا من جَبروتِ أنفسنا العاجزةِ والواهمة، ولرُبَّما أعادنا إلى جادَّةِ الصَّوابِ، وإلى ما يجبُ ألَّا ننساهُ أبداً، من كوننا قَدْ خُلِقنا لغايةٍ عظيمةٍ في هذا الكون وفي هذه الحياةِ، فَلْنَتَشَرَّفْ في رحابِ العبوديةِ لله الخالقِ الواحدِ الأحدِ، الرحمن الرحيم، السَّلامِ العظيم، فنكسب سعادةَ الدُّنيا وأمانَ الأُخرى، وإلَّا سيكونُ هناك ما بعدُ، وما هوَ أشدُّ وأفتكُ من كُورونا…!.

*شاعر وأديب فلسطيني

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s