ذكرى المعلِّم… لا عيده.

لا توجد تعليقات

لبنان عربي – طارق المبيض

  كثيرٌ من التفاصيل طبعت طفولتنا المدرسية، المريال، ورائحةٌ الحقائب، وصورُ الطبشور الملوّن المكسر، وصور رفاقنا… لكنّ الصورة التي لا تمحى من ذاكرة كل تلميذ هي صورةُ المعلِّم. يضعُ التلميذُ حولها هالةً من الهيبة وربما القدسية، تصلُ لأن يعتبر ببساطة تفكيره ذلك الكائن فوق مستوى البشر. كثيرٌ من الاحترام، وكثيرٌ من الأسئلة في الأفواه لا تلقى الجواب، تماماً كما نطرح اليوم أسئلةً حول المشاهير في مخيلتنا. كيف يعيشون، وما هي تفاصييل حياتهم اليومية. ولكن بطبيعة الحال لم نجد اجاباتٍ عن تساؤلاتنا.

لكن بالاجمال كانت لدينا صورةٌ ايجابية تجاه حياة المعلم، فهو الذي يلبَسُ ثياباً جميلة، وحذاءً ملمعاً، ويستطيع فعل ما يشاء بفعلِ مكانته في المجتمع. كبُرنا، واقتربنا أكثر من المعلّم. كثيرٌ من الأصدقاء يعملون في تلك المهنة، دفعتنا معرفتنا بهم لقلب صورتنا السابقة الى صورة أخرى، تبعثُ على الشفقة والحزن في آن معاً. وانّي اذ أتلو الوقائع كما هي، أو على الأقل كما أراها  من منظور شخصي، فذلك في سبيل تشخيص الحالة التي يستحيي كثيرٌ من المعلمين البوح بها، لأسباب عديدة. 

المعلم في مجتمعنا اللبناني، هو ذلك الشابُ الذي أنهى اثنتي عشرة سنة مدرسية، ثم أتبعها بأربع جامعية، وربما سنتي تخصص أيضاً، ليعود الى مكعبٍ اسمنتي كبير، يمارس فيه روتيناً يومياً قاتلاً يبدأُ من طابور الصباح، ولا ينتهي بجرس الانصراف. اذ أنه يحمل معه الى المنزل تحضير الدروس، وتصحيح المسابقات، وربما أعمالاً اخرى ليست من صلب اختصاصه، لكنه يمارسها ليحافظ على وظيفته في بلد عزت فيه الوظائف. 

ولو أنّ الأمر اقتصر على التعب الجسدي، وانهاك الوقتِ في هذه المهنة المقدسة، لهان الأمر. لكن الأمر يتعدى ذلك بأشواط، وبالتحديد الى أهم عنصر في حياة الانسان وهو الأجر. وهُنا أستأنِسُ برأي صديق يفيد بأن العامل في أي مجال يتعدى أجره الأربعين الف ليرة يومياً، مع ساعات عمل ومسوؤلية محددة، بينما لا يتجاوز أجر معظم المعلمين الثلاثين ألف ليرة لبنانية في اليوم، مع مسؤولية كبيرة وغمٍ لا تخطئه عين من ينظر الى المعلم في هذه الأيام. لكن المعلم ربما يرضى بالأجر القليل، والهم الكبير خدمةً لرسالته المقدسة التي تستجلب احترام المجتمع والطلاب وأهاليهم على حد سواء.

غير أن الوقائع التي أثبتتها التجربة التعليمية في لبنان خلال السنوات الماضية تفيد بأن مقام المعلم قد مُسّ، والحوادث المتكررة في المدارس تؤكد أن ادارة معظم المدارس، ومن بعدها الطلاب وأهلوهم قد جعلت من الاستاذ الحلقة الأضعف التي تقع بين سندان الطالب ومطرقة الادارة. لقد أصبح رضى التلميذ بالنسبة لأغلبية المدارس أهم من الأستاذ نفسه. وهذا ربما له مبرراته بالنسبة للمدرسة: “بامكانك ان تأتي باستاذ كل يوم، لكن الطالب وقسطه السنوي لا يعوض”. هذا ما جعل المدرسة في لبنان أقوى، ولكن الأستاذ قد أصبح أضعف. بات في ركن ركين، ينظر بعين الوجل في كل ما حوله. لكن مهلاً قليلاً، حتى لا نتسرع باطلاق الأحكام تعسفا وجزافا، فها هي وزارة التربية تحتفل بيوم الاستاذ اذ تجعله يوم عطلة، وهي هي المدارسُ تحتفلُ بالمعلم. تكرمه. تحتفي به على موائد وقوالبَ من الحلوى مرسومٌ عليها صورة المدير لا الأستاذ… يا لسخرية التاريخ. 
تستحيل المناسبات في مجتمعاتنا الى مهرجانات خطابية مليئة بالبلاغة، كثيرٌ من الاستعارات والتشابيه يُتعِبُ الكُتّاب وملقو الكلمات أنفسهم في سحبها من المعاجِم والصفحات الالكترونية، كما تُسحبُ الشعرةُ من وجه الانسان، بكثير من الألم. لكن لا بد من سحبها حتى نجمّل ذلك الوجه الكالح من تعب الأيام. قضيةُ فلسطين أفرغناها بخطاباتنا، وحقوق المرأة والطفل والانسان. يومُ الأمّ ويوم اللغة العربية وغيرها. دون أن نقدم طروحات تخدم تلك القضايا. وهذا ولا شك ينم عن ضعفٍ وسوء فهم في الوقت عينه. 

عيد المعلم لا يختلف عما أسلفناه من مناسبات. لكنه يمر السنة بمزيد من الأسى. الاف المعلمين لم يحصلوا على مرتباتهم الشهرية. وان حصلوا فانها لا تكفي لشراء حاجيات المنزل الأساسية. عملُ اسبوع كامل لا يكفي ثمن علبة حليب الأطفال. وأجر شهر كامل لا يكفي اجرة منزل. اذا كانت ثورة السابع عشر من تشرين قد انطلقت ضد الفقر والتهميش، فان الاستاذ بلبنان بحاجة الى مليون ثورة. المعلم بحاجة لأن يعيد هو الاعتبار لتلك المهنة العظيمة.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s