“تدمر التي لا يدخلها الله”!!

لا توجد تعليقات

لبنان عربي – طلال الدهيبي 

ليست كل السجون كسجن تدمر. وليس سجن تدمر إلا خلاصة ما عرفه السجان من أساليب التعذيب وأدواته، من العصور الوسطى حتى عصر ما بعد الحداثة.  هناك حيث يصبح السحل فناً يُدرّس، والقتل ذلا فيلما دراميا يكرر كل ثانية  أمام مشاهد يجهّز نفسه ليكون بطل المشهد التالي. “جهنّم الحمرا” هو كما وصفه أغلب المساعدين الذين خدموا به.

سجانوه جلاوذة العذاب، “أقذر فصيل” من الشرطة العسكرية في سوريا: يد “الله” ويد “العروبة” ويد “البعث”، التي  يُبطش بها أقذر الكائنات من معارضين سياسيين وعملاء. هذه اليد التي تفر منها الروح خجلا لتصبح آلة قتل دون أن يرف لها جفن.

 قبل أن يقصده السجّان الجديد، يدرّب نفسه على القتل، يقتل بداية كل ذرة ضمير يأويها دماغه، يمزق غطاء العاطفة ليتجلبب بصلافة الصحراء وغربتها وجفاوتها،  يجري تحولا ذاتيا قبل أن تحوله الممارسات اللقيطة التي سيشرع بتنفيذها منتشيا بإسالة الدماء، ومتباهيا بقدرته اللامتناهية على الجلد. 

“ورديته” الأولى جريمة عصر مدوية: يصرخ بأول سجين يلقاه: “اعتز بنفسك ولك”، محاولا فرض سيطرته منذ البداية، يقف السجين “وقفة عز” رافعا رأسه عاليا لتبرز رقبته ناتئة، فيقوم السجان بحركة جودو يقفز فيها ليركل رقبة السجين ببسطاره العسكري، فيقع الأخير في الحال شهيدا، ويعلّق الأول “نيشانا” على صدره، ممهورا برضى القيادة، لسرعته في إثبات مقدرته على القتل بلا سبب، ويبدأ بعدها سرديته في كيفية تحويله لسان من يشتم القائد لحما نتنا تمضغه قطة عاجزة، وقلبه قطع حلوى تهدى الى من سيليه من رفاق السجن، الذين ما سلّموا أرواحهم للقائد، ولم تردد ألسنتهم “بالروح بالدم نفديك يا أسد”.

سجان تدمر لا تتغير لديه وعنده الأيام، قبل الثورة السورية وبعدها الامر سيان، كرباجه “الصباحي” الذي يزلغط على الجلد كصوت الفنانة صباح الذي حمل اسمها، لا يستكين ولا يرتاح ولا يريح، كأنه روبوت معد لدوام التشغيل، وتنفيذ الأوامر الحزبية بسحل كل من لا يقر بألوهية الرئيس وقدسية قراراته.

سجان يحرّم على السجين أن ينظر الى عينيه، فيموت السجين ولا يرى عين قاتله، يشعر يوميا بوجود عزرائيل أمامه لكنه محرم عليه في نظام السجن ان ينظر الى اليد التي سيحل بها عزرائيل ليخطف روحه، ما أفظع الموت عندما يكون القاتل معلوما بالتخيّل مجهولا في الواقع، عندما تزهق الروح لبصيرتها على يد من لا روح فيه ولا بصيرة لديه. مات الالاف في سجن تدمر ولم يعرفوا شكل معذبيهم، كانوا يتواصلون مع آلات مبرمجة على القتل.

ابواب السجن مفتوحة للموت

آلات لم تعرف الله قط او هكذا أريد لها، لتكون سوطا بيد السلطة تحركه كما تريد بوجه من أيقن وجود الله في تدمر، رغم كل ما شهده السجن من تراجيديا، وتعذيب وسحل وقتل وتقطيع، على أيدي سجّانين يتباهون أن “تدمرهم” لا يدخلها الله لأنها…”جهنم” من يقتلون بأمره وبإسمه، ولأجله يصومون ويصلون، ليبقى رغيفهم ساخنا، ولينالوا بركة القائد المفدى الذي كلما قتلوا له معارضا، تحدث بطلاقة عن الحرية.

زنازين الكون كلها لا تشبه أي منها زنزانة تدمر، هناك حيث يفر الموت من الزوايا والساحات والجدران والتراب، ليتشكل في رواية يكتبها مقتول مؤجل إعلان وفاته، او في لوحة لم يعد لراسمها مقدرة سوى على رمي الألوان على خشب ظنّ ليوم أنه لن يراه مرة ثانية، أو في إشارات يحاول من خلالها أعمى أصم أبكم، أن يقول لك أنه إنتصر على فراعنة تدمر وأطلق رصاصة على الموت فأرداه ونجا.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s