تركيا في إدلب: رسائل بالجملة وتعزيز لشروط التفاوض مع روسيا

لا توجد تعليقات

لبنان عربي – صهيب جوهر

على صفيح ساخن يشهد الشمال السوري من إدلب وحلب وحماة وأريافهم معارك لا تتوقف، تزدحم الأرض بالجنود والدبابات وتهطل القذائف من الطائرات الروسية وطيران النظام وطائرات بيرقدار التركية الدقيقة الإصابات، وتتداخل نقاط السيطرة بين قوات النظام السوري والمعارضة المنهكتين أصلاً.

وسط كل تلك التطورات المتلاحقة انتهت المهلة التي حددتها القيادة التركية لنظام بشار الأسد للإنسحاب من نقاط وضعتها اتفاقات جمعت أنقرة وموسكو ووعد الطرفان بالإلتزام بهما على الأرض تمهيداً لإعادة رسم مستقبل سوريا السياسي .

 المؤكد حتى اللحظة أن حرصاً مشتركاً بين تركيا وروسيا على عدم الإصطدام المباشر في الميدان السوري لاعتبارات عديدة أهمها المصالح المشتركة التي تجمع الجانبين ورغبة روسية واضحة بعدم جر تركيا لمربع تحالفاتها السابقة مع الولايات المتحدة ودول الإتحاد الأوروبي،  لكن تطورات الميدان السوري ورغبة نظام الأسد ومن خلفه موسكو باستعادة ادلب عبر القصف والتقدم في قرى المدينة قد يدفع أنقرة لإعادة النظر باتفاقات سوتشي .

يدرك أردوغان أن اللعبة باتت في منزلق خطير حيث الخصوم أكثر من الحلفاء،  ترمب يبدو متردداً في دعم الرجل لما يمثل من حليف صعب، يعارض كثيراً ولا يسير بالتوجهات الكبرى التي يعول عليها ترمب كصفقة القرن التي يرفضها أردوغان، فيما تمر العلاقات الأوروبية- التركية بأسوء مراحلها حيث نشبت صراعات كبيرة بين الطرفين.

 أما العلاقة التركية العربية فإنها تسير نحو الهاوية وذلك بعد اندلاع أحداث الربيع العربي واصطفاف دول الخليج خلف الثورات المضادة.

و كانت جريمة اغتيال جمال خاشقجي النقطة الفاصلة في العلاقات العربية – التركية ما يدفع ربما الأنظمة العربية التي تقع على طرف نقيض من السياسة التركية بشكل مباشر وغير مباشر الى الالتقاء مع توجهات نظام بشار الأسد في وجه التمدد التركي في ليبيا والصومال، لكن ما يجري في إدلب اليوم قد يكون نقطة تحول تسعى تركيا لاستغلالها من خلال الرسائل الموجهة شرقاً وغرباً  من خلال الإيحاء أنها القوة الأكبر في الشرق لمواجهة روسيا وطهران ووكلائهما.

إتصالات  لم تتوقف

لم يترك الرئيس التركي وفريق عمله باباً إلا وقرعه،  لم تتوقف اتصالات الرجل مع القادة الأوروربيين والرئيس الأميركي وفريق عمل الناتو منذ بداية المعارك. يدرك أنها اللحظة المفصلية لإعادة رسم خريطة جديدة وتوازن مختلف، لملء الفراغ العسكري الأميركي الذي ينسحب اليوم من سوريا وأفغانستان، وبات قاب قوسين من توقيع اتفاق تاريخي مع حركة طالبان الأفغانية. أميركا  بدورها تدرس خطواتها جيدا، فلا هي تريد إعطاء إشارات تقدم لأنقرة في ادلب وغيرها، ولا تود الدخول في صراع جديد مع موسكو التي تدير المشهد في سوريا وتمارس إقصاءً ممنهجاً للدور الإيراني في سوريا.

أنقرة للعرب : أين موقعكم

لم يكن هجوم المقاتلات التركية على أحد مواقع حزب الله رسالة عادية، يريد الأتراك من هذه الضربة توجيه رسائل في كل الإتجاهات، الأولى للحاضنة السنية في العالم العربي والتي أحبطت نتيجة تدخل حزب الله ومشاركاته في الحرب السورية.  فاخر الحزب مراراً على لسان أمينه العام بالدور التاريخي لهم في الحفاظ على نظام الأسد وشراسة مقاتليه في الدفاع عن الجيش السوري الذي كان يتهاوى بداية تحت ضربات مجموعات المعارضة، لذا فإن الحاضنة الشعبية للثورة السورية أصيبت بنكسة كبرى حينها، أما اليوم فتأتي الضربات التركية الدقيقة لإعادة الثقة لدور تركيا السنية في إعادة التوازن التي فقدته سوريا خلال الأعوام الأخيرة.

  فيما الرسالة الثانية لبعض دول الخليج والتي باتت قاب قوسين من إعادة علاقتها مع نظام البعث وباتت تستقبل في ديارها اللواء علي مملوك للتفاوض معه على شكل المرحلة القادمة، وأهمية التحالف في وجه المحور التركي – القطري المتمدد في ليبيا والصومال وشرق آسيا وباكستان والمغرب العربي ما يشكل خطراً على الدور التاريخي للعواصم العربية.

 أرادت أنقرة القول أنها الوحيدة القادرة على ضرب الحزب الذي يفاوض الأتراك اليوم عبر وساطات إيرانية وأخرى من اللواء عباس إبراهيم والذي التقى مساء الأمس برئيس جهاز المخابرات الوطنية التركية هاكان فيدان الذي تجمعه بابراهيم علاقة وثيقة، حيث يعملان على خط الوساطة لإعادة قتلى حزب الله وإجلائهم من ادلب. وبهذا يريد أردوغان أن يوحي للعرب أنه حسم المعركة.  

اللقاء المرتقب

يصر أردوغان على الذهاب إلى لقاء نظيره الروسي في موسكو الخميس المقبل وهو يحمل ملفات تجعله أكثر قوة للتفاوض وفرض الشروط على الرغم من التشدد الروسي في عدم القبول بالصيغ المتفق عليها بعد اليوم، ولعل خسائر النظام الكبيرة منذ الرد التركي ولهذه اللحظة قد تمهد لوصول الطرفين لاتفاق جديد يضمن من خلاله عدم خسارة أي طرف لا معنوياً ولا ميدانياً.

 تصر الإدارة التركية على ضرورة انسحاب نظام الأسد وميليشياته خلف نقاط المراقبة التركية، وهي تصر اليوم أكثر من أي يوم على إقامة المنطقة الآمنة الحدودية بدعم أميركي أوروبي وبرضى روسي، يسعى أردوغان للقول أن مصالح بلاده في إدلب أكثر أهمية من مصالح موسكو فيها.

استطاعت تركيا حتى اللحظة إثبات أنها الضامن الصادق والفعلي لفصائل المعارضة على اختلاف أيديولوجياتهم المتصارعة. تركيا تسعى مجدداً للتحديث في سياستها السورية وهي تجاوب موسكو على أسئلة مفصلية بالقول بأن عليها أن تفعل الأمر نفسه لكن ليس باتجاه التصعيد والذهاب نحو التصادم بل قبول قدرات تركيا على المواجهة والتصدي للخطط الروسية حتى ولو كان ذلك على حساب انفتاحها وثقتها بموسكو في الأعوام الأخيرة.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s