“الكورونا” يعرّي القطاع الصحي في لبنان: فساد ومحسوبيات ومحاصصة

لا توجد تعليقات

لبنان عربي

قد يكونُ التأمُّلُ في المأساة مخيفاً أكثر من عمق المأساة نفسها. هذه النتيجة باتت واضحةً بعد حالة الاستنفار العالمية التي تواكب فيروس “كورونا” طبيا وسياسياً واقتصادياً، اذ أنّ بعض الاحصائيات التي بدأ المهتمون بالاطلاع عليها حول مآسي العالم مخيفة، وتشيرُ في ناحيةٍ ما الى الغفلة التي نعيشها تجاه الانسان من القُطبِ الى القطب، ومن الشرق الى الغرب.

تشيرُ احصائيات مواقع علمية مرموقة عبر شبكة الانترنت الى أرقام مهولة. ملايين الناس تموت شهرياً بسبب الملاريا والسيدا وتلوث المياه وغيرها من الأمراض التي أصبحت مألوفة، والموت جراءها “عادي” بالنسبة للعقل الجمعي للناس. 

ليس لدى أحدنا الاطلاع الكافي لمعرفة ما هو العدد المتوقع لضحايا الفيروس المستجد والذي أصبح اسمه على كل لسان في العالم، لكن بالامكان وانطلاقاً من فطرتنا البشرية أن نستغل تلك الصفعة التي وجهها كورونا لنا، لنلتفت قليلاً الى الانسان. أو بالأحرى أن نعود الى اعتبار كُلّ هذا الصنف من الكائنات الحية (الانسان) شريكاً لنا على هذه الكرة الأرضية، وبالامكان مد جسور التواصل معه، حتى في أقسى اللحظات التي قد تصل بنا الى معركة أو حرب.

 لقد برهنت تجربة العالم خلال الشهر الأخير أن الدول بحاجة الى بعضها اكثر مما كانت تتوقع، كما أبرزت غفلة العالم، وأجهزة الدول عن الاهتمام بهذا الكائن الحي الذي ينطق ويعقل. لقد استفاقت أجهزة الدول الكبرى التي تنفق بليارات الدولارات على التسليح على حقيقة مرة: “ليس لدينا ما يكفي من اقنعة لتوزيعها على السكان المحليين”. انتبهت الأجهزة المختصة الى ان معظم اهتمام الدول كان ينصب لايجاد موارد اقتصادية اكبر. للسيطرة على ممرات استراتيجية أهم. لبناء احدث طائرة، وأكبر حاملات للطائرات، وأذكى صاروخ، وأعنف قنبلة، وأحنك طائرة مسيرة. لكن تلك الدول والأجهزة البيروقراطية الهائلة كانت تصب جام اهتمامها على حماية الكُل، دون أن تلتفت بشكل كاف الى الفرد، الذي يدورُ في زمن ما بعد الحداثة في رحى هائلة من الضغوط النفسية والأسئلة الكبرى التي يستنكف عقله عن ايجاد بديل لها.

أما في العالم العربي، وخاصة في لبنان، فإن المشكلة أكبر، ومختلفةٌ شيئاً ما بالشكل عن باقي الدول العربية. فمشكلة القطاع الصحي في لبنان ليست وليدة اليوم، وما هي بمشكلة وزير الصحة حسن حمد، ولا رئيس الحكومة حسان دياب. بل ان مشكلة القطاع الصحي اللبناني، على صعيد الوزارة ومنشآتها، والمستشفيات الحكومية، وتلك الخاصة، والمستوصفات، والصيدليات الخ الخ. هي مشكلة نظام طائفي، يقوم على المحاصصة. تلك المحاصصة التي أثبتت فشلها في ادارة الدولة واداراتها ومن ضمنها ادارة الملف الصحي. تلك المحاصصة التي كانت احدى نتائجها اضعاف المستشفيات الحكومية (ومنها مستشفى رفيق الحريري التي يعالج بها مرضى الكورونا) لصالح كارتل المستشفيات الخاصة. هذا المستشفى قال عنه وزير الصحة الأسبق كرم كرم: “هذا المستشفى فيلٌ ابيض يستنزف الدولة اللبنانية نظرا لحجم الفساد المستشري فيه”. ناهيك طبعاً عن المحسوبيات في مراكز توزيع الأدوية التابعة لوزارة الصحة، والتي لا يستطيع المريض الوصول اليها عادةً، وذلك لاكتظاظها بأزلام السياسيين والسماسرة الذين يأخذون تلك الأدوية ثم يبيعونها في السوق السوداء او في الدول المجاورة.

مشاكل القطاع الصحي اللبناني لا تحصى، وعصية على الحل بين ليلة وضحاها. حتى أن “لوبيات” استيراد الأدوية، والمستشفيات تعتبر أقوى من السلطة المركزية ومن الوزير نفسه. لكن المطلوب اليوم هو استثمار هذه الظروف الاستثنائية بالتوازي مع المطالب التي أطلقها حراك 17 تشرين الثوري، لاحداث صدمة ايجابية في هذا القطاع، اقله تشديد رقابة الدولة على آلية عمل المستشفيات على امتداد الوطن..فهل يتحقق ذلك؟

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s