أمين معلوف في “غرق الحضارات”: حنين الى البدايات وحسرة على المآلات

لا توجد تعليقات

لبنان عربي|| طارق المبيض

في القراءة لخانة فكر وثقافة، لأكثر من صحيفة لبنانية وعربية، نطالع قراءات مهمة لكتبٍ صدرت مؤخراً. بعضُ القراءات يبالغُ في الثناء. وهذا لا يخدِمُ النقد بشيء. وبعضها الآخر مفرطٌ في النقد، وربما قلب الحقائق، و”تقويل” صاحب الكتاب ما لم يُصرِّح عنه.

وربما هذا “الإفراط” في النقد ينطبق على مقالة مصطفى شلش في صحيفة الأخبار اللبنانية  التي عنونها “غرق أمين معلوف أم غرق الحضارات”!، عدد السبت 19 تشرين الأول 2019.

عند قراءتي لعنوان المقالة استذكرتُ فوراً الكتاب الوحيد الذي قرأته لهذا الرجل “الحملات الصليبية كما رآها العرب”، أذكر أني قرأته منذ سنتين، وترك فيَّ بالغ الأثر، ليس من حيث مضمونه، بل بشكل أساس لجهة السلاسة التي يتمتع بها كاتبه الغني عن التعريف.

ينتقد شلش ما جاء في كتاب “غرق الحضارات” الذي صدر عن دار الفارابي للكاتب أمين معلوف (ترجمة: نهلة بيضون)، ويسرد في نقده كثيراً من الأمور التي استعظمتُ من خلال معرفتي البسيطة بأدبيات معلوف أن يقولها. فقررتُ فوراً ان أتوجه تلقاء المكتبة لأشتري الكتاب. كانت مغلقة فانتظرتُ الى أن فتحت أبوابها. لازمني شوقٌ كبير لأقرأ “غرق الحضارات”. العنوان بحد ذاته مثير لكاتب متخصص بشؤون الحضارات، وهو الصحافي السابق الذي واكب حرب فييتنام وشهد اللقاء الجماهيري الأول لزعيم الثورة الاسلامية في ايران، وخبِر الثقافة الأوروبية، فكتب بالفرنسية عن العرب الذين تنهالُ محبتهم في كل كلمة في كتابه.

قرأتُ الكتاب على عجل. وأعترفُ بفضلِ “مصطفى شلش” في الاشارة اليه. ربما يأخذنا النقدُ احياناً لمكان فاتنا، فالضدُّ يُظهرُ حسنه الضدُّ.

يقعُ الكتابُ بين دفتي ثلاثمئة وتسعة عشرة صفحة من الحجم المتوسط، ويطرح فيه المعلوف رؤيته للعالم من خلال تجربته الخاصة التي عاشها بين القاهرة طفلاً، وبيروت التي عمل فيها صحفياً في النهار، الى العالم الذي جال فيه. والبوصلة لديه متجهة دائماً نحو الشرق. يعود الى ذلك المكان بحنين وتحسر، يكرر أكثر من مرة في الكتاب “ان هذا الشرق لو استطاع النهوض لغير شكل العالم اليوم”، يقتنع معلوف بأن حالة التزمت والاقصاء مستجدة في العالم العربي، وبالتحديد سنة 1979 والتي أسماها سنة الانقلاب الكبير، معللاً تلك التسمية بالأحداث الجسام التي شهدها العالم. حادثة الحرم المكي الشريف، وقيام مجموعة اصولية يقودها جهيمان العتيبي باحتلال الحرم، وقبل ذلك انتصار الثورة الخمينية في ايران واقصاء الشاه، وصولا الى “النهج التاتشري” المحافظ الذي وصل الى السلطة مع رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر، بالتوازي مع انتخاب رونالد ريغان رئيساً للولايات المتحدة في العام 1980، وما خلقه هذا الثنائي (تاتشر ريغان) من ثورة انغلوساكسونية على صعيد مفهوم الدولة، بحيث زاد التوجه للحد من تدخل الحكومة في الحياة الاقتصادية، وتقليص النفقات الاجتماعية، واطلاق يد اصحاب المشاريع، والتخفيف من تأثير النقابات وغيرها.

وقبل أن يتحدث عن هذا الانقلاب العالمي الكبير الذي اجتمعت كل أطرافه بسنة واحدة، وفي سياق سرد مشوق لسيرته الذاتية، يتحدث معلوف عن التجربة الناصرية، يقيمها بمنظار واقعي وعقلاني. يورد “اصلاحات عبد الناصر”، اين نجح وأين فشل، ويبرر له سلوكه ذلك باكثر من طريقة –وهو الذي استولى على مكتسبات عائلته في مصر-.

 يحاول معلوف أن يقرأ بموضوعية حتى وان كان الأمر يتعلق به. وهذه صفاتٌ قلما نجدها بين الكتاب العرب. لم يأتِ معلوف على ذكر الشوفينية (كما ادعى شلش في مقالته)، بل تحدث بلسان كل عربي كان يأمل أن يكون لهذا المشرق نهضة. وأنا هنا أنقل حرفياً ما كتبه معلوف في الصفحة 118 عن حالته النفسية يوم استقالة عبد الناصر بعد هزيمة 1967:

“وحتى أنا، ولدي أسباب عديدة لكي لا احب الرجل العظيم تأثرت باستقالته مثلما لم أتأثر في حياتي. لم يكن قط بالنسبة الي شخصية أبوية، ولكني شعرت بنفسي حينذاك يتيماً. تراءى لي بأنني وسط سيل عرم، وأنه الغصن الوحيد الذي أستطيع ان أتعلق به”.

نعود الى مقاربة “شلش” وعنوان مقالته “غرق أمين معلوف أم غرق الحضارات”، لنقول بأن الكتاب والروائيين ليسوا هم من يغرقون الحضارات، وليسوا هم من يقضون على آمال الشعوب في نهضة أصبحت ملحة. بل هو الاقصاء والرفضُ والتعميم والتسطيح الذي نمارسه تجاه “الاخر”. كان ينبغي ان نقرأ معلوف بشكل أعمق، أو على الأقل ان نكمل اخر صفحة في الكتاب حيث قال: “لم تكن نيتي التبشير بالاحباط، لكن واجب كل انسان ان يظل متبصرا… لأن سفينة البشر اذا ظلت تمضي على هذا النحو، ستكون مثل التيتانيك قبل ان تصطدم بجبلها الجليدي المشؤوم، بينما الاوركسترا تعزف ترتيلة: يا ربي أقرب منك، والشمبانيا تسكب في الكؤوس”.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s