بول طبر لـ”لبنان عربي”: 17 تشرين كرست التنوع وصنعت “الفاعل السياسي المسؤول”

لا توجد تعليقات

لبنان عربي

لا شك ان ما حدث في لبنان منذ 17 تشرين الأول من العام المنصرم، يحتاج الى الكثير من القراءات التحليلية ليس فقط لناحية الاسباب والدوافع وانما لناحية التغيير الذي أوجده على مستوى الفرد والجماعة وداخل المجتمع، فالمواطن اللبناني الذي افترش الشوارع على مدى أشهر مطالبا بإسقاط السلطة الفاسدة، تحرك لديه الوعي بألوانه المختلفة، فوجد نفسه قادرا على احداث تغييرات كثيرة في مجالات متعددة اذا هو تخلى عن “صنمية وتأليه” زعيمه، ودفع بحسه الوطني الى الامام متجاوزا الهواجس الطائفية التي تكبله في المسار الوطني العام.

انطلاقا من هنا يقرأ “لبنان عربي” في أهمية ثورة 17 تشرين والتحولات التي أوجدتها على المستويات الوطنية والسياسية، كما في الجوانب الثقافية والاجتماعية السياسية، مع الدكتور بول طبر استاذ علم الاجتماع/الانتروبولوجيا في الجامعة اللبنانية الاميركية في بيروت، والمتخصص في الاجتماع السياسي ودراسات الهجرة والنظريات الاجتماعية.

وهنا نص القراءة:

كيف تنظر إلى ما حدث في لبنان في 17 تشرين الأول 2019؟ هل هو ثورة أم انتفاضة؟

ما حدث في هذا التاريخ هو قبل كل شئ حدث عظيم وأساسي في مسار بناء هذا الوطن ونظام الحكم الذي يسود فيه. 17 تشرين 2019 كسرت أولاً حاجز الخوف بين عدد كبير من اللبنانيين وبين حكامهم، زعماء وقيادات وأحزاب وممسكي مقاليد السلطة الإدارية والقمعية في لبنان. والأهم عندما يتحطم حاجز الخوف، يترافق ذلك مع فك الإرتباط مع مفردات ومفاهيم ورؤى وتهويمات تتعلق بالمستقبل كانت تمثل “العنف الرمزي” (مقابل العنف الجسدي) الذي يستند إليه النظام ما قبل 17 تشرين لكي يكون شرعياً بنظر “المواطنين” وابتداع في الوقت نفسه لمفردات ومفاهيم ورؤى لمستقبل مناقضة لنمط التفكير السابق ومسلماته.

ما حدث في 17 تشرين هو إعلان مدوي لفشل النظام السياسي في لبنان والقوى الممثلة له بما هو نظام سياسي طائفي ورأسمالي مفياوي وبطريركي يقوم على استغلال موارد السلطة لكسب المال والوجاهة والنفوذ ويعيد استغلال ما كسبه من مال ونفوذ (عن طريق الزبائنية) لتكريس موقعه في السلطة وتكبير حصته منها.

ما جرى في 17 تشرين هو سحب الثقة من النواب بصفتهم “ممثلين” لإرادة الشعب وقيام المنتفضين بمهام محاسبة ومراقبة السلطة التنفيذية وامتداداتها المتشعبة. 

إذا اتفقنا على هذا التوصيف لما حدث في 17 تشرين الثاني ولا يزال يتفاعل للآن، ما يمكن تسميته؟ أهو ثورة أم انتفاضة؟

أن ينتفض الشعب يعني أنه لم يعد يقبل بالرضوخ لممارسة السلطة ولسياساتها بصورة عامة. ولم يعد يثق أو “يحترم” الأشخاص الذين يمثلون هذه السلطة. وبالفعل هذا ما حدث ويحدث منذ السابع عشر من تشرين الثاني الماضي. فيجوز إذاً القول بأن ما حدث هو إنتفاضة. ولكن يمكن أيضاً القول أن ما حدث ولا يزال هو أيضاً يتجاوز فعل الإنتفاضة إذْ أنه تضمن أموراً أخرى: إحلال المواطنة  بدل الطائفية كتعريف رئيسي بالهوية السياسية للفرد اللبناني، سحب الثقة بجميع الفئات الحاكمة في لبنان “كلن يعني كلن”، استقلال القضاء، استعادة الأموال المنهوبة، عدم تأييد النيوليبرالية كسياسة مالية واقتصادية للإقتصاد اللبناني (الخصخصة، رفع دعم الدولة لبعض السلع الضرورية للمواطن، زيادة الضرائب، تحجيم الخدمات العامة للدولة لا سيما في مجال الضمان الإجتماعي والطبابة والإستشفاء وغيره)، المطالبة ببعض حقوق المرأة، المطالبة بحكومة مستقلة بالكامل عن الفئات الحاكمة وتكون ممثلة لمطالب المنتفضين، خلق فرص عمل بدل دفع الناس لا سيما الشباب والشابات للهجرة وتأمين مستوى لائق للعيش الكريم للجميع لا سيما في المناطق المهمشة تاريخياً (مثلاً محافظة لبنان الشمالي).

لا شك ان تعبير “الإنتفاضة” لا يفي بوصف كل هذه المطالب المشتركة للمنتفضين. وهناك مجازفة ولو جزئية إذا اعتمدنا كلمة “ثورة” تدليلاً لما يحدث وذلك لأن الثورة هي بالتعريف ليست فقط رفض للسياسات والقوى الواضعة لها والداعية لتنفيذها، وإنما هي أيضاً المطالبة بإحلال نظام محل النظام القائم، وهذا لم يحدث للآن لدى المشاركين والداعمين لما جرى ولا يزال منذ 17 تشرين الأول عام 2019. ولمزيد من الدقة، أقول أن لبعض المطالب المرفوعة مفعول “ثوري” على النظام في لبنان ومنها ما هو سياسي اجتماعي ومنها ما هو ذات مردود ثقافي اجتماعي سياسي على المدى المباشر وطويل الأمد. أما رفع مطلب إحلال “المواطنة” بدل السمة الطائفية كهوية سياسية للبنانيين، فهذا مطلب “ثوري” بكل معنى الكلمة لا سيما فيما يتعلق بلبنان وبتاريخه السياسي والكلفة الباهظة التي دفعها اللبنانيون من جراء النظام السياسي الطائفي في البلد.

 أما على المستوى الثقافي الإجتماعي السياسي، فأرى أن 17 تشرين الأول 2019 أطلقت مسار تغيير “ثوري” يطال المجالات التالية: تغيير ثقافة الإذعان في المجال السياسي والإجتماعي والثقافي وإحلال جدي لثقافة المحاسبة والمراقبة مكانها ونزع صفة التأليه والتقديس عن من هم في موقع السلطة. أي أوجدت “انتفاضة” 17 تشرين، لا بل صنعت ما يمكن أن نطلق علية تعبير “الفاعل السياسي المسؤول” تجاه من ينتخبهم لينوبوا عنه في أماكن السلطة والقرار المتنوعة.

 وثانياً، كرس ما حدث منذ 17 تشرين قبول التنوع والتعددية في المطالب والهيئات الممثلة لها. وهذا بمثابة التغيير “الثوري” في الثقافة السياسية والنضال السياسي. فلم يعد مقبولاً التطلع لطرف أوحد ولـ”إيديولوجية” شاملة ووحيدة تمثل الجميع وتختزل تطلعاتهم بشعار أو رؤية سياسية شاملة. والتغيير “الثوري” الثالث أجده يطال المرأة والعلاقات الجندرية السائدة في لبنان. 17 تشرين أطلق العنان لـ”الفاعل السياسي المسؤول” النسوي والمطالب بمجموعة من الحقوق الخاصة بالمرأة اللبنانية  وهذه الحقوق أصبحت جزءا من ثقافة وقيم المرأة في لبنان.    

الدكتور بول طبر

كيف تقرأ اللانتفاضة/الثورة من زاوية مشاركة وتأثير أهلها؟

 أهمية 17 تشرين وما تلاها من تطورات أنها كانت حدث سياسي وثقافي واجتماعي عابر للمناطق وللطوائف وللطبقات الفقيرة والعاملة والوسطى. وربما كان تبني العلم اللبناني من الجميع ورفعه في جميع الساحات أوضح تعبير رمزي ومكثف للطابع اللبناني الشامل لما حدث وما زال منذ 17 تشرين 2019. وهناك تعبير آخر عن الطابع الشامل والوطني لما حدث، ألا وهو تبني الشهداء الذين سقطوا على طريق “الإنتفاضة” من قبل المنتفضين في جميع المناطق واعتبارهم شهداء الوطن الذي يطالبون به.

أما الجواب على السؤال من ناحية المشاركة والتأثير على المستوى اللبناني، فيمكن القول أنهما (أي المشاركة والتأثير) كانا متفاوتين وفق طبيعة السلطة ومدى انتشار نفوذها على الأراضي اللبنانية (فمثلاً جاءت مشاركة أهالي الجنوب وبعلبك متأثرة بسلطة الثنائي الشيعي) ووفق درجة تأثير السياسات على مختلف المناطق من ناحية الأوضاع الإجتماعية-الإقتصادية لتلك المناطق (لاحظ الزخم والإستمرارية لدى أهالي الشمال)  ووفقاً للتركيب والتكوين الإجتماعي-الطبقي لها (مثلاً الحراك في جل الديب والزوق).   

هل تعتقد أن الإنتفاضة تفتقر إلى قيادة؟

أرى أن الجواب على هذا السؤال له على الأقل ثلاثة جوانب: ألأول يتعلق بالقول أن الإنتفاضة لم تكن ولا للحظة بدون قيادة، وإنما قيادتها كانت مباشرة ومن المنتفضين، أي قيادة النفس بالنفس دون أي وسيط. والجانب الثاني للسؤال له علاقة بالطابع التعددي لهذه القيادة بحكم تعدد المطالب وتنوع المقاربات لمعالجتها. وأخيراً وعلى الرغم من كل ذلك، أجد أنه لا بد من التنسيق بين الجميع وعبر المناطق بدرجة أكبر مما هم عليه الآن لأنه في ذلك قوة أكبر للإنتفاضة في مواجهتها المستمرة والمتجددة للسلطة القائمة.

أين تضع هذه الانتفاضة من الحركات الإجتماعية العالمية؟

هو حراك من سلالة هذه الحركات وإنما بنكهة خاصة لها علاقة بخصوصية الساحة اللبنانية وإرثها التاريخي. والملفت في الحركات الإجتماعية وانتشارها شكلاً رئيسياً للمعارضة السياسية في عصرنا الراهن هو عدم انضوائها تحت إيديولوجيات شاملة وأحزاب تحتكر طريق الخلاص الأوحد لشعوبها وتنتظم بأطر هرمية تُخضع القاعدة لسلسلة أوامر مصدرها الدائم القيادة التي تتربع على رأس الهرم. وتتسم هذه الحركات ومن ضمنها حركة 17 تشرين بالإنخراط المتزايد لمجموعات وهيئات المجتمع المدني في النشاط السياسي المعارض.

 ولعل ذلك يعود لعدة مسائل أساسية أهمها: فشل أحزاب وأنظمة الإديولوجيات الشمولية المعارضة للرأسمالية وأفولها المتمثل أساساً بسقوط الإتحاد السوفياتي وملحقاته؛ ألإعتماد المتزايد للفئات المتضررة من الأنظمة الرأسمالية على هيئات المجتمع المدني لتوصيل صوتها ولمواجهة تلك الأنظمة؛ إعتبار هيئات ومجموعات المجتمع المدني أكثر إلتصاقاً بهموم ومطالب الناس المعنيين؛ وأخيراً، تعدد مطالب المتضررين والمعترضين وعدم إمكان اختزالها بإيديولوجيا سياسية واحدة. على أية حال، إن الإنخراط المتنامي لهيئات المجتمع المدني في النضال السياسي المعارض هو خير دليل على تنامي حظوظ الديموقراطية التشاركية في عصرنا الراهن والمفضية إلى تجاوز الليبرالية السياسية وتقاليدها القاصرة عن التعبير عن مصالح ضحايا الرأسمالية في طورها المتأخر.  

هل انتهت الانتفاضة/ الثورة وما الذي تحقق حتى الآن؟

الإنتفاضة لم تنتهِ، وإنما تباطأ إيقاعها بالعلاقة مع حدث تشكيل الحكومة الأخيرة، وتجاوب بعض الفئات مع ذلك الحدث لجهة الإنتظار للتحرك لاحقاً على ضوء ما سوف تنتجه الحكومة العتيدة.

باختصار أنا أرى أن المعركة التي افتتحتها انتفاضة/ثورة 17 تشرين هي معركة طويلة ولم تتوقف دون انجاز جميع مطالبها الأساسية.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s