استمرار الحريرية..رهن: تصويب المسارات وحتمية المراجعات

لا توجد تعليقات

مصطفى العويك

بمرور خمسة عشر عاما على استشهاد الرئيس الشهيد رفيق الحريري، يقف تيار المستقبل اليوم أمام منعطف تاريخي، يرتبط بالمستقبل السياسي للرئيس سعد الحريري، وقدرته على البقاء لاعبا سياسيا أولا بين أقرانه من الأولين في الاحزاب والتيارات الأخرى، قدرة تساعده على صنع السياسة التي تحفظ وجوده وتضمن استمراريته، لا تلك التي تأكل من شعبيته وتحد من دوره وتصبّر حجمه.

فحري القول ان الحريرية استنزفت مؤسسها الاول ودماءه، وانتهت صلاحيتها كعامل جذب للجمهور بانتهاء انتخابات 2009،  فلم تعد قضية كالعدالة والحقيقة بعد مرور خمسة عشر سنة على الاغتيال، تعني كل الذين انتفضوا في 14آذار 2005، أولويات الناس تغيرت، وكذلك الظروف السياسية والتحالفات، ومسار المحاكمات الطويل والأخذ والرد حول تسييس المحكمة من عدمه، وظهور تقارير اعلامية وأمنية تشير الى مساهمة هذه الجهة وتلك باغتيال الحريري، جعل بعض الناس تتعاطى مع المحكمة على انها باتت لزوم ما لا يلزم، على اعتبار ان القاتل واضح في اسمه وهويته وانتمائه، وأنه بات في عداد الأموات، مع الاشارة الى أهمية صدور الحكم النهائي الذي سيدين الاسماء الخمسة المرتبطة بحزب الله دون ان يدين الحزب نفسه…

كما ان تكرار لازمة “مصلحة البلد” لا يمكن تسويقها كل حين وعلى كل الناس، والتباهي بالظهور كـ”أم الصبي” على الدوام ينفّر حتى الصبي من والده ووالدته، والتسويات غير السوية تفقدك الأصدقاء وتفتح الباب لبعض المتضررين منهم بالخروج الى شرفتك والتصويب عليك منها، ومن ثم القفز الى شرفة جديدة يظنها صاحبها مشروعا موازيا او بديلا عنك، لكن احدا لن يستطيع فعل ذلك لأنه يحتاج الى راع إقليمي وهذا الراعي لا زال يرى بسعد على “علاته” الافضل والأكثر حضورا في طائفته، ولم تتشكل حتى الآن نواة فعلية لتكون بديلا عن المستقبل، ما نحن امامه حالات فردية مناطقية محددة ومحدودة لا تمتلك اصلا مقومات الامتداد الى خارج تواجدها الجغرافي..

والتغاضي عن العمل التنظيمي المؤسساتي داخل التيار، يجعل من كل منظم شخصا غير منتظم، خاصة عندما توكل المهام التنظيمية الاساسية، لمن وجد في استلشاء رئاسة التيار في الأمور التنظيمية، ضالته وفرصته لاثبات عبقريته، فراح يحوّل التنظيم الى جهاز حزبي استخباراتي، مدعم بمجموعات من الشعبويين لزوم حركة الشارع، مقربا كل مطأطئ رأس مطيع في ضلالة، ومبعدا كل صاحب شمعة مضاءة على المفترق..وهو ما فعلته رئاسة التيار ايضا في أكثر من مناسبة.

ازاء كل هذا كان من الطبيعي ان يسجل تيار المستقبل تراجعا ملحوظا في شعبيته وحجم كتلته النيابية، التي باتت هي الاخرى تعج بالمتأثرين غير المؤثرين، وكان طبيعيا أن يصار الى استثمار ضعفه من الحلفاء والاصدقاء، بهدف تسجيل النقاط عليه في جوه السياسي وبيئته الطائفية، وأن يسعى الخصوم الى مزيد من تهشيم صورته، لجعله خصما أضعف في أي تسويات مقبلة او مفاوضات او تقاسم نفوذ وسلطة.

فكيف السبيل الى تحويل المسارات المستقبلية هذه؟ وجعلها مبدئية أكثر منها سلطوية مظللة بمصلحة البلاد وانهاء الفراغات وسد الثغرات؟

الحريري مبادر شجاع ولكن؟

لا بد من الاشارة هنا الى أن الرئيس سعد الحريري سياسي مبادر شجاع وجريء، بغض النظر عن مآلات المبادرات وعدم نجاحها، واقراره هو بذلك اليوم في ذكرى والده، عندما قطع “وان واي تيكت” للتسوية الرئاسية، وقلائل هم المبادرون والمتحلون بصفة الشجاعة من أهل السياسة في لبنان.

ولا بد من الاشارة ايضا الى السياسة اللبنانية “طحنت” سعد الحريري، لأن شجاعته وجرأته على المبادرات كان ينقصها أن تقاس على مقياس خطه السياسي، وأن توضع لها معايير عقلانية مستندة الى تجارب التاريخ القديم والحديث، لأن “المخاطرة” غير المحسوبة النتئاج أول من تطيح به صاحبها، ولذلك طحنت التسوية الرئاسية سعد الحريري، واخرجته من السلطة، لكن…ربّ طاحنة نافعة.

ان استمرار الحريرية السياسية والوطنية ثابت وأكيد، لكن البحث يجب ان ينصب على استمرارية قوية فاعلة حيوية وطليعية، متحررة من العاطفة، فالعاطفة بنت لحظتها وبنت الجمود في القول والفعل، وهي تحتاج الى انتاج مشروع سياسي جديد يتماشى مع المتغيرات السياسية في الداخل والخارج، وصياغة خطاب سياسي مسبوك بماء المصلحة الوطنية والحزبية في آن معا، وصناعة كوادر غير روبوتية، ولا مستنسخة، كوادر تعلم كيف تسوّق لمشروعها السياسي، ومتى وكيف وأين تدافع عنه، عبر آليات توضع لذلك، لا كوادر تتحرك بالرومونت تتولى مهمة تلاوة الاخبار الاذاعية بعد كل بيان يصدره الحريري او موقف يصرح به.

الإعلام والمرجعات: مساران لا بد منهما

واستمرار الحريرية الفاعلة يحتاج الى اعلام عصري ينتج هو الحدث والمحتوى والخبر الذين يخدمون المشروع السياسي والقضية، لا اعلام التطبيل والتزمير وتبييض الطناجر وتمسيح الجوخ، فهذا يبني قاعدة كسولة تكرر نفسها، أما الأول فيوجد رأيا عاما ان لم يؤيدك بالمطلق لا يعاديك. وعلينا ان لا ننسى ان اهم وجه من وجوه الحريرية زمان الرئيس الشهيد رفيق الحريري كان ملحق “نوافذ” الثقافي الذي جمع المثقفين العرب واللبنانيين في جريدة المستقبل، التي انتشرت به وتعززت بنوعية كتابه واسهاماتهم المعمقة لا السطحية.

لذا فان التسلح بالمثقفين والكتاب والكوادر الحاضرة الذهن، ومن شابههم، أفضل بكثير من ايواء المتزلمين والوصوليين والشبيحة، وحماية الخارجين على القانون.

المرحلة اليوم تتطلب قراءة متأنية لتبدلات مزاج الشارع اللبناني وهذا يحتم على المستقبل والرئيس سعد الحريري، اجراء مراجعات نقدية لمسيرته السياسية، وتقييم لسنوات حكمه ومبادراته، مراجعات عقلانية موضوعية يخرج بعدها بخلاصات أساسية مما تعلمه واكتشفه وخبره.

فهل يقدم على ذلك بجرأة مبادراته؟ قبل ان يفوت الأوان ويسبق السيف العذل، وتتجاوزه انتفاضة 17 تشرين الشعبية؟ أم يبقى النهج على ما هو عليه فتقع الحريرية في فخ الدوران على نفسها؟

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s