النازحون السوريّون والصقيع: الدعاء باب للدفء

لا توجد تعليقات

لبنان عربي – ريان الحسين

على باب خيمة والدتها التي أردى الهواء العاصف بابها الخشبي المهشم، تقف “حليمة” البالغة من العمر خمس سنوات، لتراقب تساقط الامطار الكثيف، وتحول المساحة الضيقة بين الخيم الملاصقة لخيمتها ساحة وحل يصعب تخطيها عبر السيارات وسيرا على الأقدام، حتى أنها اذا ارادت زيارة صديقتها على بعد أمتار قليلة عليها ان تصنع طريقا خاصا من الاخشاب (ان توفرت) لتعبر عليه حتى لا يغرق جسدها في الوحل.

داخل الخيمة تسعى والدة حليمة لتدعيم “منزلها” بأجزاء من “الخَيش” منعا لتسرب المياه ، وتربط بحبل أخضر اجزاء الشادر الممزق بالاخشاب المثبتة بالأرض، ثم تعمد بعد ذلك الى التخلص من برك المياه التي تجمعت داخل الخيمة، والتي تسربت من الاطراف المتساوية مع التراب او المرتفعة عنه سنتمترات معدودة، او من السقف الذي استسلم لسرعة الرياح وشدتها، فبات أشبه بالغربال.

ما ان تنهي “براءة”، عملها كسنكري داخل خيمتها حتى تنادي حليمة لتجلس بجانب “الصوبية” لتنال قسطا من الدفء يقيها احتمال المرض والرشح المنتشر بكثافة بين اطفال السوريين، لكن مناداة الأم ستصطدم بواقعها المأساوي: لا مازوت لديها لزوم تشعيل الصوبية، تلعن حظها وواقعها، وتتمتم بكلمات فيها من السخط على نوعية الحياة التي تعيشها ما فيها من السُباب غير المفهوم، من ثم تحمل حليمة واضعة اياها على فرشتها المبتلة بالمياه، وتغطيها ببطانية سميكة راجية لها الدفء…بدعاء تبتهل به الى الله.

يتكرر هذا المشهد في كل الخيم المجاورة لخيمة ام حليمة، في منطقة منيارة شمال لبنان. حيث تعيش المئات من العائلات السورية النازحة ظروفا غير انسانية بكل المعايير. الاطفال هنا ليس فقط لا يعيشون طفولتهم ولا يذهبون الى المدارس لتلقي العلم، هم في الأصل لا يحصلون على الغذاء بشكل يومي، ويتجولون داخل المخيم وعلى طريقه الفرعية نصف عراة حتى في هذه الظروف المناخية البالغة البرودة، نادرا ما تجد طفلا يرتدي في قدميه حذاء، او يغطي جسده بجاكيت، و”كماليات” مثل شال على الرقبة وقبعة على الرأس لن تجد لها حضورا في قاموس هؤلاء…فقط يرددون:” لا مشكلة لدينا مع المطر نتكيّف معه كما فعلنا من قبل، لكن مشكلتنا مع شدة الرياح التي تتسبب بتكسير خشب الخيم وتطييرها”، كما تقول ام مهند لـ”لبنان عربي”.

تحدثك أم مهند القادمة من ادلب عن حياتها كيف تبدلت، كيف سرق منها النزوح حلمها برؤية اولادها دكاترة واساتذة مدارس كما كانت تخطط لهم مع والدهم، “منذ وصلنا الى هنا ولا هم لنا الا لقمة العيش، وأن نخفف من توتر وعصبية ولدي الصغير علي، الذي يعاني من صعوبة اندماج مع المحيط والناس، ويبقى كل يومه منعزلا لا يتحدث مع احد الا في ما ندر، وذلك بسبب تأثره من مشاهد القتلى والتفجيرات لحظة هروبنا من ادلب الى حماه ثم الى لبنان”.

أما عن طبيعة الحياة اليومية، وكيفية مواجهة البرد الشديد، تقول ام مهند وهي الأم لسبعة اولاد، “جميعهم لا يعملون الا في اوقات محددة وفقا للمزروعات التي تحيط بالمخيم، وساعات العمل عنا قليلة، واجرها شبه مجاني، ونحن من الذين لم تلحظ الأمم تسجيلهم لديها، فلا ننتفع منها بشيء والمساعدات معدومة من غيرها، وفي ظل هذا الصقيع نتلحف ببعضنا البعض لأن لا مقدرة لشراء المازوت بشكل يومي، اذا توفر لدينا مال نشتري واذا لم يتوفر نجلس بالقرب من بعضنا البعض فنخفف من وطأة البرد”.

مشاهد الخيم عن بعد توحي ان طيرانا قصفها بالمسامير فمزقها شر ممزق، جميعها يدخلها مياه الامطار ويمزقها الريح، وعندما “يطوف” النهر المجاور للمخيم تغرق كل الخيم بمياهه المشكلة من مياه الامطار والصرف الصحي.

الامراض الشتوية هنا تتكاثر بفعل البرد، والاطفال يعانون من انعدام الاستشفاء ونقص الادوية، وتلجأ أغلبية النساء الى مداوات الاطفال بالطرق التقليدية القديمة وبعض الاعشاب المتوفرة التي يعتقد انها تخفف من آلام هذا المرض وذاك.

مشهد موت الطفلة السورية في عرسال بسبب الثلوج منذ حوالي السنتين لا يغيب عن مخيلة النازحين هنا، يقول “عدي” لـ”لبنان عربي”:” نسأل أنفسنا كل يوم هذه الايام: هل سيموت احد من اطفالنا مثلها جراء البرد؟” ويضيف:” كنا نجمع حطبا ونتدفئ من خلاله، فمنعنا لاسباب عديدة، لا نريد ان تكون اجساد اطفالنا مدفئة لنا”، وتسقط دمعة على خده الأيمن فيمسحها بسرعة ويقول: ” قديما كنا ندعوا لعدونا بالموت، اليوم صرنا نتمناه لنا في ظل ما نعيشه من ظروف سيئة”.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s