“نساء الثورة”… قمعُ السُلطة في السويّة.

لا توجد تعليقات

لبنان عربي – مطيعة حلاق

لا زلت أذكُرُ اليوم الأول للثورة، حينما حاصر محتجون موكب الوزير اكرم شهيب. وقتذاك وقعت السُلطةُ ورجالها في الصدمة. أحد مرافقي الوزير وقف على ناصية سيارةٍ في الموكب واحتمل بندقيته الحربية في محاولةٍ لإرهاب المتظاهرين وإبعادهم. لكنّ فتاةً في العشرينيات من عمرها استهواها التحدي الكبير، تحدي السُلطة ورجالها وأسلحتها، فتقدمت نحو العنصر المُسلّح وهوت برجلها على جسده المُعضّل وسط ذهول الحاضرين والمشاهدين الذين كانوا يتابعون المشهد مباشرة على الهواء!! 

مشهد المرأة اللبنانية القوية تكرر أكثر من مرة، من ساحات بيروت الى أروقة النبطية إلى شوارع طرابلس وجسر جل الديب! ولكن المرأة الطرابلسية كما مدينتها، شكلت مفاجأة الثورة. بدّلت بسرعة الصورة النمطية التي رسمها الإعلام لها على مدى سني حرب المحاور، فتألقت في ساحة النور، ساحة الثورة. 

وسط ساحة النور وحولها تتجمع النساء يقفن او يجلسن على اطراف الرصيف الوسط او في الخيم المنتشرة في محيطها منذ 17 تشرين الاول. مذ ذلك اليوم لم تخل الساحة منهن، بل على العكس فقد تعزز حضورهن على هامش فاعليات الثورة وأحداثها على امتداد رقعة هذا الوطن الذي يعيش لحظته التاريخية.  لقد كان هامش التحرك للبنانيات واسعاً من قطع الطرقات إلى التواجد في الاماكن الاساسية المستهدفة امام الداوائر ومراكز الادارات الرسمية وصولاً إلى المسيرة التي نظمت يوم الاستقلال في 22 تشرين الثاني الماضي حيث كانت افواج رمزية منها “فوج الأمهات” للتعبيرعن مطالبهن الخاصة بهن كنساء والمطالب المتعلقة بحقوق المواطنين عامة. 


إن دور المرأة ومشاركتها لا ينبع من فراغ، فلطالما كانت المرأة اللبنانية والعربية المحرك الاساسي والمحفز للعديد من الحركات النضالية والمطلبية منذ زمن بعيد  وعلى مختلف الاصعدة والقضايا المتعددة سواء النسائية منها، الوطنية أو العربية والعالمية على السواء… هذه المرأة التي تعاني في كل يومٍ في منزلها وعملها، في الشارع الذي تمشي به، وتجاه بعض التفسيرات المجتمعية التي تعتبرها قاصرةً عن مجاراة الرجل في ميادين الحياة. 

حضور ملفت في الساحات


من خيمة الجامعة اللبنانية بطلابها وطالباتها واساتذتها، الى خيمة المحامين والمحاميات اللواتي يواظبن على الحضور والمشاركة، وسواها من الخيم لبعض المبادرات والجمعيات المدنية والنسائية والحقوقية والمباردات الفردية حيث عمل اصحابها على “اختراع” مختلف الانشطة الثورية والاجتماعية بشكل يومي، ولعل أجملها فكرة “مكتبة الثورة” التي أسستها السيدة نارمين العويك وزميلات وزملاء لها، في كل ذلك كانت النساء جنديات مجهولات معلومات رافدات للثورة التي يعول عليها اللبنانيون في تغيير واقعهم. أما على الصعيد العملي فقد كانت المرأة تتصدر طليعة التظاهرات الاحتجاجية في الثورة منذ انطلاقتها حيث صدحت اصوات الكثيرات بهتافات مميزة وكتبت الكثيرات منهن الشعارت واللافتات المميزة التي عبرت عن كافة هموم المرأة ومطالب الشعب اللبناني على السواء.

مشاركة النسوة ساهم في تعميق الوعي

وخصصت بعض التظاهرات للمطالب النسائية بشكل خاص  من مثل العنف الاسري وتزويج القاصرات واعطاء الجنسية لأبناء الأم اللبنانية وسواها الكثير. او في المشاركة بالأنشطة الحيوية مثل السمبوزيوم او معارض الرسم، وكل ذلك كانت له مساهمة كبيرة في تعميق الوعي في مختلف المستويات السياسية والاجتماعية وحتى الاقتصادية خاصة من خلال مشاركة العديد من النساء في النداوت الحوارية التي يتم نظيمها بشكل يومي في خيمة ساحة ومساحة في ساحة النور في عروس الثورة طرابلس والتي يتم فيها مناقشة كافة القضايا المتصلة بهموم الناس والثورة والوطن.

 ربما تكون المشاهد الأجمل للثورة هي اصطحاب النساء والامهات لأبنائهن الى ساحات الثورة ومختلف فعاليتها منذ اليوم الأول، ولعل هذا يستدعي الشعار الشهير “الثورة أنثى.أحد اصدقائي وصف حضور المرأة في الثورة اللبنانية بـ”المتراس القوي والشجاع”، وقد يلامس هذا التعبير الواقع بشكل كبير حيث لعبت المرأة دورا في التخفيف من موجات العنف المحتمل التي كان من الممكن ان تكون اكثر عنفاً لولا ان كانت النساء تعمد الى تشكيل “سد بشري” فاصل حين كان من المحتمل ان تبدأ مواجهات بين الثوار والقوى الامنية من جيش وقوى امن. في هذه الجزئية لا بدّ أن نلحظ أنّ بعض العناصر الأمنية لم تُفرق بين ذكر وأنثى خلال تعاملها مع المظاهرات وذلك نيابة عن السلطة. لقد حققت السلطة، إذا المساواة في القمع، في حين فشلت على صعيد القوانين التي ما زالت تفرق بين المرأة والرجل على صعيد الأحوال الشخصية، وفي مجال إعطاء الجنسية للأبناء حيث يمنع على اللبنانيات إعطاء الجنسية لفلذات أكبادهنّ. قمعت السلطةُ المنتفضين مساءً ورجالاً على قدمِ المساواة، فكان ظُلمُها في السوية عدلاً للثورة التي كان عنوانها الإنسان منذ اليوم الأول، بغض النظر عن طائفته ومنطقته وجنسه…

تصوير: مطيعة حلاق

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s