حصاة محمد شحرور…انتصارا للعقل

لا توجد تعليقات

طارق المبيض

أعلمُ أنّ هذا المقال سيُثير حفيظة البعض ويدفعهم (رُبّما) لرمي تُهم شتّى عليّ. لكنّها كلمةٌ لا يجوزُ أن تبقى عالقة خلف شفاهي.

أكثَرَ المثقّفون والعامةُ على حدٍّ سواء من التقريع بمحمد شحرور بعد وفاته منذُ أيام. العامةُ حملوا عليه أنّهُ صدمهم بآرائه التي لا تتفقُ مع التقليد الاسلاميّ السائد، وأصحابُ الفِكرِ أثقلوا عليه في انتقادهم، فهو حيناً ليس بمُتخصص في مجال الفقه واللغة، وطوراً لا يلتزم بالمنهجية التي اتفق عليها “العلماء” في مجالات التفسير والحديث، واللغة.

وأنا أقول متمتعاً بكامل قواي العقلية بأنّ  لكل مسلم الحقّ في تفسير القرآن انطلاقاً من عقله الواعي، وأن يتدبّر آياته بحسبما يراها ملائمةً لمصلحة الفرد والجماعة، لأن محور القرآن هو الانسان وخلاصه.

وهنا أطرحُ السؤال الآتي:

ما الفائدة من اجترار ذات المنهجيات، وإعادة التفاسير عينها؟!

إننا إذ ذاك ندورُ في حلقةٌ مُفرغة يتعطّلُ فيها العقل عن التفكّر والتحليل والتدبر والتأمّلُ، ونكونُ قد وضعنا النّص في موضع الصنم الذي يُعبدُ ويُصلى لهُ على قاعدة “هذا ما وجدنا عليه آباءنا”.

لن أسرُدَ هُنا أدلة من القرآن عن ضرورة التفكّر، ولن إلى أقوال من يسمونهم “العلماء” في ذلك، لأننا إذ فعلنا ذاك نكون قد عدنا إلى منطق المنهجيات ودخلنا في قيود التقليد وعدم إعمال الفكر، وهنا نطرحُ سؤالاً بديهياً لأولئك الذين فكروا في بداية الفِقرة هذه أن يرموا سهامهم بحجة عدم الاستناد إلى القرآن في منهجية التفكّر. السؤال هو: “ماذا يفعل غير المسلم إذا أراد البحث عن الحقيقة. وهو لم يقرأ القرآن بعد؟! الجواب بديهي، يتفكّرُ قبل قراءة القرآن في ضرورة قراءته واستكشاف ما فيه!! من هنا نقول بأنّ العقلَ في تفكّره حُرٌّ في التفلت من “المنهجيات” التي أصبحت في الفكر الاسلامي-هي الاخرى- صنماً من الأصنام. وأعيد القول بضرورة البحث الحرّ عن الحقيقة وعن تفسير القرآن وتأويله ليس فقط من فئة “العلماء والفقهاء” الذين لا يمثلون في أفضل الأحوال أكثر من واحد في المئة من عموم المسلمين، بل من السواد الأعظم من المسلمين أولئك الذين يحلو للمنهجيات تسميتهم بـ “العوام” كدلالة على عدم أحقيتهم في الخوض بأمور الدين وكسر ذاك القيد حول “السرّ الديني” الذي يمسكه “المشايخ والعلماء”.

إنّنا -رغم الأدبيات الكثيرة التي تنفي ذلك- نعيش في حالةٍ مشابهةٍ لما عاشته أوروبا “القرسطوية” حينما كانت المعرفة الدينية محصورة بفئة من رجال الدين، فيما العامة يخضون أبصارهم عن تلك الفئة بسبب “القدسية” التي ألبسوها أنفسهم وما كتبها عليهم.

واستطراداً نقول وبلا مبالغة بأنّ تطور أوروبا ساهمت في إنشائه جملة قالها المصلح مارتن لوثر “يحق لكل مسيحي تفسير الانجيل، وليس رجال الدين فقط”. تلك الجملة فتحت عيون الأوروبيين كأنهم ينظرون إلى الحياة أول مرة، هذه الجملة جعلت الإنسان هو محور المجتمع، واعلت من قيمته وجعلته ينظرُ إلى نفسه نظرة جديدة دفعت من خلال سلسلة تطورات كثيرة إلى نهضة أوروبا ومن ثم العالم الذي نراه.

نعود إلى شحرور… نعم هو ليس بعالم دين، ويكفيه تميزاً ان لا يكون كاولئك الملايين من الذين لبسوا العمائم وساروا على عمىً وراء المنهجيات دون أن يقدموا جديداً للمجتمع، أو للدين، وقبل ذلك للإنسان، ولم يضعوا خطوة واحدة في سبيل النهضة المرجوة.

إن مسألة التجديد في العالم الإسلامي ووضع القاطرة على سكة “الدولة الحديثة” لا يبدأ -من رأي شخصي- بالخطط التي تسقطُ علينا من فوق، سواء كان ذلك الفوق السلطة ام المجتمع الدولي، بل بتغيير في الثقافة المجتمعية التي تبدل نظرتها للحياة ومفاهيمها للدين والدولة وقبل ذلك الإنسان لناحية عقلنة المجتمع والدولة. هذا الأمر يضع بذوره مفكرون يثورون على الواقع الفكري حتى ولو كلفهم ذلك الإقصاء والنبذ وفي معظم الأحيان التكفير. يكفي محمد شحرور أنه كان أحدهم. سيذكر التاريخ اسمه كأحد المفكرين الإسلاميين الذين انتفضوا على السائد وابوا إن يسيروا على استعماء وراء المنهجيات الجاهزة المعلبة التي انتهت مدة صلاحيتها. محمد شحرور الذي كان يرى هذا الكم الهائل من الصدمة على وجوه المستمعين وفي آراء المعلقين، وكانت تزيده الصدمة عندما تقف بوجهه “النخب الفكرية” بحجة أنه ليس عالم لغة وقبل ذلك ليس عالم دين، هذا المفكر وردةٌ يانعة في ذلك الحقل الفكري الذابل الذي يستنظر السقيا من السماء.

محمد شحرور رمى الحصاة في البحيرة الراكدة.  أحدثت الحصاة دائرة صغيرة محلّ سقوطها، لكنّ لهذه الحصاة على ضعفها لها ارتدادات ليس أولها أن تتسع دائرة “أن يحق لكل مسلم تفسير القرآن الكريم” في وجه دائرة المنهجيات المغلقة.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s