ثورة 17 تشرين و”الهويات القاتلة”

لا توجد تعليقات

نبيلة بابتي

أعادت ١٧ تشرين الأول ٢٠١٩ الى ذاكرتي، عنوان الكتاب الشهير ” الهويات القاتلة” للأديب اللبناني أمين معلوف، من باب التفاضلية الحتمية للهوية الوطنية على ما عداها من هويات.

قد يبحث الإنسان عن هوية إجتماعية، ثقافية، سياسية، دينية، إثنية، أو غيرها من الهويات عندما يريد أن يتماهى مع مجموعة معينة أو أن يتميز عنها. لكنه لا يبحث عن هوية وطنية إمّا لإعتباره بأنها حق مكتسب، أو بسبب شعوره بعدم الإنتماء لوطنه أو (وهذا هو الإحتمال الأرجح) بسبب تغلب واحدة من تلك الهويات على الهوية الوطنية.

ما حصل في بداية ثورة ١٧ تشرين، هو تغلب الهوية الوطنية على سواها، حيث توحدت الشعارات والأهداف تحت راية العلم اللبناني، إستفاق اللبنانيون من ثبات عميق وحاولوا خلع هوياتهم المتعددة وإرتداء الهوية الوطنية، شعروا بقيمة ضياع هذه البقعة الصغيرة المسماة وطن، تنادوا في جميع المناطق والساحات نصرة لهوية ضائعة، إنتابتهم مشاعر متناقضة؛ فمنهم من شعر بالذنب بعد أن خاب أمله من هويته السياسية أو الدينية وحمّل نفسه قبل الطبقة السياسية ذنب هذا الضياع!! ومنهم من صبّ جام غضبه على طبقة فاسدة ساهم هو في تسليمها زمام أمره!!

تجمعّ المواطنون، صدحت الأصوات، تعالت الصرخات، توحدت الحناجر، تخطت الساحات نفسها راسمة واحدة من أجمل وأبهى الصور عن إرادة وعظمة اللبنانيين!! تحدثت وسائل الإعلام الغربية والعربية والمحلية عن مشهدية لم يشهدها التاريخ من قبل!!

لكن…. غاب عن هؤلاء أن هذه الهوية كانت مقتلهم!!!

تحولت هذه الهوية إلى “هوية قاتلة”، قضّت مضاجع أهل السلطة وأصابتهم في الصميم من جهة، وقتلت الثوار لأنها أخافت وصدّعت باقي الهويات لا سيّما السياسية منها والدينية!!
فما كان من أزلام السلطة إلا إعادة التذكير بهاتين الهويتين عبر أفعال وردود أفعال مشبوهة تثير النعرات الطائفية والمذهبية البغيضة، وعبر أعمال شغب وتكسير وحرق وتخريب برسالة واضحة وصارخة إلى الهوية الوطنية، أن لا مكان لها في ظل هيمنة باقي الهويات.

تسعى السلطة عبر هويتها القاتلة الى ابقائنا غرباء سجناء في هذا الوطن، وحتى في بلاد الإغتراب لن نتمكن بعد الآن من القول “نحن لبنانيون ونحمل هوية وطنية” لأنه بات غير مرغوب بنا في بلد آخر.

يراد لنا ان نبكي لبنان الوطن، ربما نبكيه، لكن لن نتخلى عن هويتنا الوطنية وان قتلتنا.!.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s